نشاطات المعهد

كلمة أ.د  سهيل زكار أستاذ و رئيس قسم مقارنة الأديان _ أستاذ التاريخ و الحضارة في معهد الفتح الإسلامي

التي ألقيت في الملتقى الفكري تحت عنوان تعارف الحضارات و الرسالات في ظل الأسرة الإنسانية الواحدة


يتعرض العرب والمسلمون في هذه الأيام إلى حملات إعلامية غربية مدروسة، هي بطبعتها شرسة، ومضللة ومفتتنة، ففي كل يوم تثار قضية، أو لنقل تبدع قضية، ينساق الجميع ـ بشعور أو بلا شعور ـ للتعامل معها، وهكذا يتورطون في جدل عقيم، حول مسألة وهمية لا وجود لها على أرض الواقع، وكان من بين أخطر ما أثير وما أطلق عليه اسم أوضاع الأقليات الدينية والاثنية، مع أنه لا يوجد في الوطن العربي قضية أقليات اثنية محتجزة داخل البلدان العربية، لدول قومية مجاورة لأي بلد عربي، وكل ما في الأمر هو أن موقع الوطن العربي، ووجود معظمه على شواطئ البحر المتوسط جذب أعداداً من الفارين من بلدان كثيرة، ومنحهم المأوى والأمن والأمان، وخير مثال على هذا مسألة الأرمن في سورية ومصر، ومسألة الجركس أيضاً، أما قضية الأكراد فلها وضع عام خاص بها.

ولهذا السبب ولممارسة مبدأ حرية المعتقد ولأسباب تاريخية كثيرة وحضارية، هناك بعض الطوائف الإسلامية، وهناك نسبة معتدلة الانخفاض من المسيحيين، وفقط في سورية يوجد من يمثل جميع كنائس الدنيا، لأنه منذ ظهور الإسلام لم تكن هناك سياسة تحويل قسرية عامة إلى الإسلام، تشبه من قريب أو بعيد ما فعله شارلمان ضد شعوب السكسون، وما فعلته إسبانيا الكاثولكية ضد المسلمين، من إكراه وطرد وتنكيل على أيدي رجال الكنيسة ومحاكم التفتيش، وما فعلته رهبانية فرسان التيوتون الألمانية منذ أواخر القرن الرابع عشر ضد سكان بروسيا، وبولندا، وليتوانيا.

وليس في تاريخ العرب والإسلام ما يشبه عمليات إبادة الهنود الحمر، حيث إن الذين أبادهم الذين أقاموا الولايات المتحدة الأمريكية، لربما وصل إلى مائتي مليون إنسان، ولدى استعراض العديد من أحداث التاريخ العربي منذ قيام الإسلام، لم يقم المسلمون بأي عملية إبادة، ولا حتى عن طريق الانتقام وردَّات الفعل، ولنأخذ على سبيل المثال أنه عندما دخل رجال الحملة الصليبية الأولى إلى القدس في العام 1099، أبادوا السكان جميعاً ولربما تجاوز تعدادهم السبعين ألفاً، وقبل وقت قصير كانوا قد أبادوا سكان عدد من المدن الشامية، مثل معرة النعمان، وهنا لم تكفهم الإبادة بل أكلوا لحوم المسلمين، وخلال قرني الحروب الصليبية استمر الصليبيون في أعمال الإبادة، فالذين أبادوهم في دمياط أثناء ما يعرف باسم الحملة الصليبية الخامسة تجاوز السبعين ألفاً.

ومهمٌّ كثيراً استعراض تاريخ العلاقات ما بين المسلمين والمسيحيين العرب أثناء الحروب الصليبية، فبحكم أن الإنسان جبل على الانفعالات لم يتعرض المسيحيون المحليون إلى أية مضايقات عامة من قبل المسلمين، حتى في أثناء أعمال التحريض والإثارة وإقدام بعض المسيحيين على أعمال طائشة، وعلى رأس الأسباب أن المسيحيين والمسلمين انحدروا من أصل واحد، وعاشوا في بيئة واحدة، وفق أسس اجتماعية منفتحة، تعايش فيها المسلمون والمسيحيون، ولم يعش المسيحيون في أحياء مغلقة ((غيتو)).

وهذا موضوع طويل لعله يكفي الوقوف عند بعض الأمثلة، فعندما قدم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب سنة 17 هـ /639م لفتح القدس، تسلمها وهو العربي المسلم الأصيل من المسيحي العربي الدمشقي صفر ونيوس، وبعدما فتح المسلمون دمشق تقاسموا هم وأهل المدينة الكنيسة، فصار المسلمون يدخلون إلى مسجدهم من الباب الشرقي، ودخل المسيحيون من الباب الغربي، واستمرت أعمال العبادات هكذا لمدة زادت على النصف قرن، فالمسلمون احترموا مقدسات الآخرين وصانوا حرمتها، ولم يضعوا قيوداً على النشاط الديني للمسيحيين، ولم يرغموا أحداً على الدخول في الإسلام لأنه: ((لا إكراه في الدين)).

واستخدمت الإدارة الأموية في الشام إدرايين مسيحيين من دون أزمات أو ردات فعل متشنجة، ودوماً بقي المسيحيون من أهل الشام لهم مكانتهم، ففي القرن العاشر للميلاد، أثناء ما يعرف باسم صليبية القرن العاشر، التي قادها أباطرة الأسرة المقدونية البيزنطية، وعلى الرغم من المذابح التي اقترفها البيزنطيون في الثغور الشامية وفي حلب، لم يحاول المسلمون إساءة معاملة المسيحيين الشاميين، مع أنه وجد بينهم من تعاون مع البيزنطيين، فالمبدأ بقي دوماً {لا تزر وازرة وزر أخرى} وهكذا ذكر المقدسي البشاري في كتابه: ((أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم)) بأن الكتبة في الشام وبمصر نصارى وكذلك أكثر الأطباء.

وسلف بي القول أن رجال الحملة الصليبية الأولى أبادوا جميع سكان القدس، وكانوا بعد ذلك قد عاد بعضهم إلى أوربا، ولكن الذين بقُوا، أسسوا في القدس مملكة، ونظراً لقلة عددهم ولانشغالهم بالأعمال العسكرية، احتاجوا إلى من يقوم بالخدمات، فعمدوا إلى تهجير المسيحيين السوريين من منطقة وادي عربة (في الأردن) ومن مناطق أخرى إلى القدس، وكان لهذا الإجراء عدة آثار، أولها أن سكنى العرب للقدس لم يتوقف قط ولم ينقطع.

وثانيها: أن هذه السياسة الصليبية مع سياسة كثلكة الكنيسة الشرقية في سورية، وأعمال التنكيل والاضطهاد مع حركة الاستيطان الصليبية وانتزاع الملكيات، كان لها أقسى النتائج على المسيحيين السوريين، حيث نقصت أعدادهم في كثير من الأماكن، أو لم يعد لهم وجود على الإطلاق، مثلما حدث لمنطقة جبل السماق (جبل الأربعيين حالياً).

وكان على رأس الذرائع التي تسلح بها الصليبيون في الحملة الأولى حماية المسيحيين في الشرق، لكن ما لبثوا أن كشفوا عن نواياهم الحقيقية، وأهدافهم اليقينية، فكان أحدهم يردد وهو ذاهب إلى الشرق، أنه ذاهب ليقتل الهراطقة المسيحيين الشرقيين، وليبيد الكفار المسلمين.

وأدرك هذه الحقائق كل من المسيحيين والمسلمين السوريين، ومن الشواهد على ذلك أنه عندما زحفت جيوش الحملة الصليبية الثانية في العام 543هـ/1148م ضد دمشق، حاصرتها أولاً من جهة المزة، فأخفقت في إنجاز أي شيء، فغيرت معسكرها فانتقلت إلى منطقة باب شرقي على أمل أن يتعاون معها سكان المنطقة من المسيحيين، فخابت آمالهم، وأرغمت على الانسحاب هاربة، ومفيد أن نذكر أنه بعد وقت وجيز قدم نور الدين ليوحد شمال الشام مع جنوبه، وحاصر دمشق، فقام حطّاب من منطقة باب شرقي فكسر بفأسه أقفال الباب، فدخل نور الدين، وكان هذا الحدث مفصلياً نقل حالة الحرب ضد الصليبين من الدفاع إلى الهجوم، ومهد السبل لنهضة ثقافية كان من أعلامها ابن عساكر، وأكثر أهمية كان إنقاذ مصر من الاحتلال الصليبي وتوحيد بلا الشام مع مصر، الذي كان من ثماره القريبة معركة حطين وتحرير القدس سنة 583هـ/1187م، وحين حرر صلاح الدين القدس تعاون معه سكان المدينة من المسيحيين السوريين، هذا وكان ابن المطران طبيب صلاح الدين الخاص.

واستمر التعاون المسيحي مع المسلمين، وأخفقت المحاولات الخارجية في إفساد هذا التعاون، مثلما حدث عندما احتلت جيوش هولاكو دمشق، وكان للمسيحيين في صفد أثر كبير في فتح الظاهر بيبرس لهذه المدينة سنة664هـ/1266م.

وغالباً ما وقف العلماء في وجه رجال السلطة، لدى محاولة أي واحد منهم إساءة معاملة المسيحيين المحليين، من ذلك على سبيل المثال أن بطرس الأول، الملك اللاتيني لقبرص، اجتاح سنة 767هـ/1365م مدينة الإسكندرية فنهبها وألحق بها أضرراً كبيرة جداً، وحاولت السلطات المملوكية تعويض الأضرار، وإنشاء أسطول لمهاجمة قبرص، فتكبت إلى نائب دمشق تأمره بمصادرة أهالي المدينة من المسيحيين، فتصدى له العلامة ابن كثير ومنعه من فعل ذلك، فامتنع.

وبقيت العلاقات ما بين المسيحيين في بلاد الشام وبين المسلمين دوماً جيدة بشكل عام، على عكس ما كان يجري في الغرب الأوربي، لا سيما بعد الإصلاح اللوثري، ولم تتأثر أوضاع المسيحيين بعد زوال سلطنة المماليك، ودخول البلاد في ظل الحكم العثماني، إلى أن ضعفت السلطنة العثمانية، وصارت الرجل المريض، وقتها تدفقت الإرساليات التبشيرية من الغرب، وأخذت بعض المشاكل بالظهور في لبنان ثم في مناطق أخرى، مما أدى إلى ما عرف بالمذابح، والحروب أولاً بين دروز المدعومين من الإنكليز وبين الموارنة المدعومين من الفرنسيين، وتدخلت الدول الأوربية وأثارت المشاكل، فطالبت روسيا بحماية الأرثوذكس، وكنت قد اهتممت بحوادث مذابح/1860/ ونشرت بعض روايات شهود العيان، ثم حصلت على المزيد من المواد الوثائقية، فتبين لي أن الإرساليات التبشيرية الأوربية لم تكتف بإثارة المشاكل بين المسلمين والمسيحيين، بل أثارت المشاكل بين المسيحيين أنفسهم ويكفي دليلاً على هذا أن يطالع الإنسان كتاب: syran home life, by henry harris jessaf, beirot 1874 وفي أيام السلطان عبد الحميد، وفي أيام حكم الاتحاديين جرت مذابح هائلة بحق المسيحيين السوريين في ماردين والجزيرة العليا وديار بكر، ولحقت المذابح الأرمن، وكان الذي ينجو فيصل إلى حلب يحصل على الأمان، والكتب التي تحدثت عن هذا الموضوع كثيرة، أقدمها وأهمها كتاب إسحاق أرملة: القصارى في نكبات النصارى، ط: بيروت 1919.

وإذا كانت الإرساليات التبشيرية، وقناصل الدول الأوربية، والماسونية العالمية قد أثارت فتن القرن الثامن عشر ومطلع القرن العشرين، فقد انتقلت الوظيفة إلى أجهزة المخابرات، وتعاظم دور المخابرات الأمريكية مع أجهزة الإعلام، وسموم الحركة الصهيونية، ولعله يكفي أن أسوق هنا المثال التالي: منذ عدة سنوات نزل إلى السوق في القاهرة كتاب بعنوان: الملل والنحل وهموم الأقليات في الوطن العربي. للدكتور سعد الدين إبراهيم، الأستاذ في الجامعة الأمريكية في القاهرة، وبعد صدور هذا الكتاب وقراءتي له، عرفت أن لدى الدكتور إبراهيم مركز دراسات باسم ابن خلدون، وأن هذا المركز يُصدر مجلة دورية حول المجتمع المدني وشؤون الأقليات، وأن هناك دعوة لعقد مؤتمر حول الأقليات في القاهرة، لكن لأسباب متعددة تقرر عقد المؤتمر في قبرص.

وأثار استغرابي الاصطلاحات التي استخدمها د. إبراهيم في كتابه فهو قد نظر إلى كل طائفة مسلمة أو مسيحية على أنها أقلية اثنية، وشعرت أن في هذا الطرح خطورة كبيرة، فكان أن ذهبت إلى القاهرة، وطلبت من زميلي الدكتور حسنين محمد ربيع، نائب رئيس جامعة القاهرة أن يتدبر لي لقاء مع الدكتور إبراهيم، وهذا ما كان فذهبت إلى الاجتماع به في مكتبه في الجامعة الأمريكية، وبرفقتي الدكتور محمد بهجت القبيسي، والدكتور إبراهيم زعرور.

والتقيت به فوجدته صاحب شخصية ظاهرية التماسك يحسن الجدل وطرح أفكاره، وجرى نقاش طويل استمر أكثر من ساعتين حول الاصطلاحات التي استخدمها، وحول دوافعه، فقال بأنه كان لسنوات واحداً من جماعة المتنورين العرب في بيروت وأنه زاد طباعة كتابه هناك، بقصد علمي تنويري، وأخيراً توجهت إليه بسؤال أغاظه، فقلت له: من الذي يمول مشروعك؟ فاحتد وقال: الله يا بيه! وانت بتحاسبني؟ فقلت: نعم، أحاسبك، فالكتاب قبل أن تنشره كان ملكك، ولكن بعد نشرك له صار ملكاً لكل قارئ، وهنا أجاب موضحاً: نحن لا نأخذ إعانات من أي جهة حكومية، بل الذي حدث هو جرى تكليفنا بإعداد دراسة عن مصادر المياه في الوطن العربي، وأخذنا مقابل هذه الدراسة مبلغاً محترماً ننفق منه، فشكرته وقلت لصاحبي هيا بنا، فقالا لي: ولماذا؟ قلت: لأنني حصلت على الجواب، فأنا أستاذ للتاريخ تأتيني جهة ما وتطلب مني إعداد دراسة عن البلهارسيا في مصر مقابل مبلغ كبير، إن هذه إحدى وسائل الرشوة والعمالة، ومن الذي له مصلحة بدراسة أوضاع المياه في الوطن العربي غير إسرائيل والغرب؟!

وبعد العودة إلى دمشق ببعض الوقت عرفت بأنه زار إسرائيل، ثم عرفت بأنه اعتقل من قبل السلطات المصرية، وحوكم وحكم عليه على الرغم من احتجاجات صدرت عن الولايات المتحدة، وتابعت الولايات المتحدة الضغط إلى أن أطلق سراحه بعفو خاص كما أعتقد.

من هذا كله يتضح أنه لم توجد مشاكل بين المسلمين والمسيحيين في بلاد الشام، ولم تكن هناك أعمال تنكيل وإرغام على التحول إلى الإسلام، وأن تاريخنا لم يعرف قط ما عرفه التاريخ الغربي، ولا مثل الذي تطبقه الولايات المتحدة ضد المسلمين في بلادها، وضدهم في العراق وأفغانستان، فالرئيس بوش ينتمي إلى تيار ديني صليبي متعصب كثيراً، ويعتقد بذاته أنه مسيح منتظر، ومثله اعتقد بريمر الذي حكم العراق بعد احتلاله، حيث أعلن أن إلهاماته المسائحية تدفعه الآن في العراق، إلى وضع نهاية لعصور طويلة من ظلام الإسلام ونقل الناس إلى نور هدايته، وفعلاً طبق خططه في أكثر من مكان في النجف الأشرف، وفي الفلوجة مدينة المساجد، وجلب شركة بلاك ووتر لتتولى الحمايات، وهي شركة صليبية متطرفة كثيراً تربط وجودها برهبانية الاسبتارية في أيام الحروب الصليبية.

والسلوكيات الغربية تجاه الإسلام والمسلمين فظيعة أبسطها مسائل الحجاب، والصور التي استهدفت التشهير بالنبي المصطفى صلى الله عليه وسلم، والعديد من الكتب والمقالات على نمط آيات شيطانية، وليس في هذا مدعاة إلى تغيير صيغة العلاقات داخل مجتمعاتنا، بل علينا تدعيم ذلك، والسعي الحثيث نحو التعريف بتراثنا وعقيدتنا، فنحن قدنا بأخلاق وإنسانية مسيرة الحضارة الإنسانية لأكثر من عشرة قرون وعلينا استئناف المسيرة وحدة والتزاماً وتديناً صحيحاً.

والله الموفق إلى السداد