نشاطات المعهد

كلمة فضيلة أ.د الشيخ ولي الدين فرفور نائب رئيس القسم الجامعي والدراسات التخصصية العليا للشؤون العلمية _ أستاذ قسم أصول الفقه المقارن وتخريج الفروع على الأصول في معهد الفتح الإسلامي

التي ألقيت في الملتقى الفكري تحت عنوان تعارف الحضارات و الرسالات في ظل الأسرة الإنسانية الواحدة

 

الحمد لله فاتحِ الوجود ومظهرِ كلِ موجود منه بدأ الأمرُ وإليه يعود، ولا ثَمَّ سواهُ فنشهد ولا غيره معبود ، له المجدُ الدائمُ والدوامُ الأمجدُ والصلاة والسلام على سيدنا محمد بن عبد الله نبيه ورسوله وعلى إخوانه جميعِ الأنبياء والمرسلين وآله وصحبه أجمعين وبعد.

قبل الكلام عن الشواهد القرآنية والسيرة النبوية على الحوار والتعاملِ مع أهل الكتاب لابد لي من بيان معنى الحوار وأصله في تراثنا الثقافي العربي وحضارتنا الإسلاميةِ فأقول: الحوار هو المراجعة و المجاوبةُ في الكلام ، قال العلامة ابن منظور في كتابه لسان العرب: ((الحوار هو الرجوع ، وهم يتحاورون أي يتراجعون الكلام، والتحاور هو التجاوبُ والمجاوبةُ، والحَوْر هو الرجوع عن الشيء وإلى الشيء ، والمحاورة مراجعة المنطق والكلام في المخاطبة)). هذا هو أصل هذه الكلمة في اللغة العربية ، وفيها دلالة على معانٍ ساميةٍ راقيةٍ رفيعة:

- منها : فضيلة الرجوعِ عن الخطأ.

- ومنها : عدمُ الإصرارِ على الرأيِ والإعجابِ به.

- ومنها : النزاهُة في الخاطبات.

- ومنها : إحقاق الحقِّ وإظهارُ الصواب.

- ومنها : رجحانُ العقل والمنطقِ على مبدأِ الميلِ واتباعِ الهوى والتَّشَهِي.

- ومنها : حسنُ التعاملِ مع الآراءِ والأفكارِ المتبَادَلة.

إلى غير ذلك من المعاني المستنبطةِ من كلمةِ الحوار مما يُؤدي إلى نجاحه وعدمِ إخفاقه بين المتحاوِرَين.

وأما من حيثُ الأسلوبُ، فالحوار أسلوبٌ جدليٌ نظريٌ حيٌ فعّالٌ تشتركُ فيه عقولٌ مختلفةٌ تسعى للتقارب بين الناس على مختلفِ الصُعُد والكشفِ عن الحقيقة ، وهو بحدِّ ذاته يعطينا معرفةً يقينيةً تمثل الحق وتؤكدهُ بخلاف المعرفة الجدلية عند فلاسفة اليونان.

وأما من حيث أصالته فهو من النظم الإسلامية العالية والمبادئِ الساميةِ والفكرِ الإسلاميِ العام، والأدبِ الرفيعِ.

ولا بد للمُحاور أن يكون عالماً حكيماً فقيه النفس فطناً فاهماً لعصره مطلعاً على قضاياه ومشاكله عاقلاً متدرباً على أساليب الحوار خبيراً بفنونه، ولا ننسى أن الحوار يعتمد أساليب للبحث متعددة ومختلفة ومتنوعة ولا يتقيدُ بنسقٍ جدليٍ واحدٍ محددٍ كالجدلِ الأرسطيّ بل هو أوسع من ذلك بكثير مما يجعله أسلوباً مرناً قابلاً للتكييف على حسبِ مقتضيات طبيعة الموضوعات التي يُطَبَّقُ عليها ، وبناءً على هذا يكون الحوار قوةً من القِوى الفعَّالة ، وسلاحاً مهماً في ميادين المعارك الحضارية والسجالات الثقافية ، يحقق مصالح الأمم والشعوب والعيش المشترك بين الأديان ويجلب للناس السلم العالمي المنشود.

ولقد دعا القرآن الكريم إلى الحوار في أكثر من آية ، قال تعالى: {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله} آية /64/من سورة آل عمران. ومعلومٌ أنَّ الكلمة السواء هي كلمة الحق والعدل والإنصاف ، والإذعان والخضوع لإله واحد لا شريك له وهو الله تعالى ، ويمكن عدُّ هذه الآية من أكبر نقاط التلاقي والتقارب والتعامل والعيش المشترك بين أهل الأديان أصحاب الرسالات السماوية. وكذلك دعانا القرآن الكريم إلى إقامة الدين وعدم التفرق فيه قال تعالى : {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} آية /13/من سورة الشورى.
ففي هذه الآية أمرٌ بإقامة الدين الحنيف والنهي عن التفرق فيه بين جميع الرسالات السماوية، والدعوة إليه يعد محوراً من محاور الحوار القرآنيِّ التذكيريِّ.

أما التعاملُ الذي ورد في السيرة النبوية مع أهل الكتاب وكيفيتُهُ، فإنه يقوم على مبدأ العيش المشترك، والاحترام المتبادل بين المسلمين وغير المسلمين، وعدم التعرُّضِ للمقدسات والمعتقدات بما يسيء ويشين أو يحمل على الإثارة والعنف أو الصراع والنزاع والاقتتال.

وقبل الكلام عن تطبيق هذا المبدأ من السيرة النبوية مع أهل الكتاب لابد لي من ذكر الشاهد القرآني الذي ورد في هذا الخصوص، قال تعالى: ((لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين)) آية /8/ من سورة الممتحنة، فهذه الآية واضحة الدلالة في التعامل الحسن والعيش السلمي المشترك بين المسلمين وغير المسلمين ما لم يُظهر غير المسلمين للمسلمين العداوة أو الاقتتال، أو التحريض عليهم أو الإساءة لهم، فلا حرج على المسلم بعد ذلك أن يحيا مع غير المسلم المخالف له في دينه ومعتقده عيشاً كريماً سليماً قائماً على أساس كبير من العدل والإنصاف والإحسان ولقد طبَّقَ رسولنا محمد r هذا المبدأ مع وفد نصارى نجران حينما انقطع الحوار معهم ووصل إلى طريق مسدود فتحول إلى مبدأ العيش السلمي معهم وعقد معاهدات بينه وبينهم وأبرزها للناس منها ((عهد النبي r لأهل نجران وحاشيتها جوار الله تعالى وذمة محمدٍ النبيِ رسول الله r على أموالِهم وأراضيهم وملتهم وغائبهم وشاهدهم وعشيرتهم وبِيَعِهِم ، وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير)).

ومنها أيضاً عهد النبي r إلى أهل نجران الذي جاء فيه ((ولا يُغيَّر أُسْقُفٌ من أُسْقُفِيَتِه ، ولا راهبٌ من رهبانيته، ولا كاهنٌ من كهانته وليس عليه دَنيّة)).

ومن جملةِ هذه المعاهدات التي أُبرمت مع غير المسلمين أيضاً معاهدةُ أبي عبيدة بن الجرَّاح رضي الله تعالى عنه مع نصارى أهل بعلبك في بلاد الشام جاء فيها ((ولِتُجَّارهم أن يسافروا حيث أرادوا من البلاد التي صالحنا عليها)).

فالتعامل الإنساني والعيش السلمي بين المسلمين وأهل الكتاب مبدأٌ واضحٌ وجليٌ من مبادِئ الإسلام والمسلمين. ورسالة الإسلام تحث على التعارف والعيش المشترك بسلام وأمانٍ واطمئنانٍ في جميع الجوانب الإنسانية الحياتية، هذا هو الجوهر الحقيقي للإسلام ولقد حث القرآن الكريم على الدعوة إليه، قال تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} آية /104/من سورة آل عمران

وقال تعالى: {ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين} آية /33/ من سورة فصلت.

وقال تعالى : {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} آية /125/ من سورة النحل صدق الله العظيم.

هذا غيضٌ من فيضٍ من الشواهد القرآنية والسنة النبوية على الحوار والتعامل مع أهل الكتاب اجتزأنا به مخافة التطويل والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.