قال الله تعالى
:(اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي)
{المائدة 5/3
} , وقال
تعالى : (ما فرطنا في الكتاب من شيء)
{الأنعام 6/38
} , وقال
تعالى منوَّها ً بعمل الرسول صلى الله عليه وسلم : (لتبين للناس
ما نزل إليهم) {النحل
16/44 }
.
وقال عليه
الصلاة والسلام في حجة الوداع : اللهم , ألا هل بلغت ؟ قالوا :
نعم , قال : اللهم اشهد .
{رواه
البخاري 2/620 رقم 1654}
.
وقال عبد الله
بن مسعود رضي الله عنه : (من أراد العلم فْليُُثر القرآن , فإن
فيه علم الأولين و الآخرين )
{1}
.
وبعد :
فليس شيء
اختلف فيه إلا وهو في القرآن , فصح بنص القرآن انه لا شيء من
الدين وجميع أحكامه إلا وقد نص عليه . ونص الله تعالى على أنه
لم يكل بيان الشريعة إلى احد من الناس , ولا إلى رأي ولا إلى
قياس , لكن إلى نص القرآن و إلى رسوله صلى الله عليه وسلم ,
مصداقا ً لقوله عليه الصلاة والسلام : (ما تركت شيئا ً مما
أمركم الله به إلا وقد أمرتكم به , و لا تركت شيئا ً مما
نهاكم الله عنه إلا وقد نهيتكم عنه) .
قال تعالى:(يا
أيها الذين امنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم
فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون
بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا ً )
{النساء
4/59 }
.
فأمر تعالى
بطاعته وطاعة رسوله , وأعاد الفعل إعلاما ً بأن طاعة الرسول
تجب استقلالا ً من غير عرض ما أمر به على الكتاب , بل إذا أمر وجبت طاعته مطلقا ً, سواء كان ما
أمر به في الكتاب أو لم يكن فيه , فإنه أوتي الكتاب ومثله معه
.
قال ابن
القيم:
(وقد تضمن
البيان القرآني أن أهل الإيمان قد يتنازعون في بعض الأحكام ,
ولا يخرجون بذلك عن الإيمان , إذا ردوا ما تنازعوا فيه إلى
الله ورسوله كما شرطه الله عليهم , ونلمح أن قوله :(فإن
تنازعتم في شيء) نكرة في سياق الشرط تعم كل ما تنازع فيه
المؤمنون من مسائل الدين دقه وجله , جليه وخفيه , ولو لم يكن
في كتاب الله ورسوله بيان حكم ما تنازعوا فيه , ولو لم يكن
كافيا ً لم يأمر بالرد إليه , إذ من الممتنع أن يأمر الله
تعالى بالرد عند النزاع إلى من لا يوجد عنده فصل النزاع)
{2}
وقال ابن
السيد البطليوسي
{3}:
(إن اختلاف
الناس في الحق لا يوجب اختلاف الحق في نفسه , و إنما تختلف
الطرق الموصلة إليه , والحق في نفسه واحد) وما أجمل قول
الشاعر:
وليس كل خلاف
جاء معتبراً
إلا خلاف له حظ من النظر
{4}
وقال آخر:
وكم من عائب
قولاً صحيحاً
وآفته من الفهم السقيم
ولكن
تأخذ الآذان منه
على قدر القرائح والعلوم
{5}
وقد نبهنا
رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهمية سنته وخطورة شأنها ,
وضرورة العناية بها , فيما رواه أبو داوود عن المقدام بن
معديكرب أن رسول الله صلى الله غليه وسلم قال :
(ألا إنني
أوتيتُ القرآنَ ومثله معه , ألا يوشك رجل شبعان متكئ على أريكته
يقول:
عليكم
بالقرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وحدتم فيه من حرام
فحرموه . و إن ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حرم
الله)
{رواه
أبو داوود في سننه 4/200 رقم4604}
ولا شك أن غنى
النص بالمفاهيم والمعاني المختلفة هو الذي يهبه خاصيَّة
البقاء , كما في حال النص القرآني والسنة الشريفة . وما علينا
إلا التفكر والتدبر .
والذي يجب على
كل مسلم إعتقاده : أنه ليس في سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم
الصحيحة سنة واحدة تخالف كتاب الله , بل السنن مع كتاب الله
على ثلاثة منازل:
- المنزلة
الأولى: سنة موافقة شاهدة بنفس ما شهدت به الكتب المنزلة.
- المنزلة
الثانية: سنة تفسَّر الكتاب , وتبين مراد الله منه , وتقيد
مطلقه.
- المنزلة
الثالثة: سنة متضمنة لحكم ٍ سكَت عنه الكتاب فتبينه بيانا ً
مبتدأ.
قال ابن القيم
: والذي نشهد الله ورسوله به : أنه لم تأت سنة صحيحة واحدة عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم تناقض كتاب الله وتخالفه البتة .
كيف؟ ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو المبين لكتاب الله ,
وعليه أنزل , و به هداه الله . وهو مأمور بإتباعه , وهو أعلم
الخلق بتأويله ومراده
{6}
, فالذي جاءت به الشريعة لا مزيد من الحسن والحكمة والعدل عليه
ولله الحمد.
أدلة القرآن والسنة:
إن أدلة
القرآن والسنة نوعان:
أحدهما يدل
بمجرد الخبر , والثاني يدل بطريق التنبيه على الدليل العقلي ,
والقرآن مملوء من ذكر الأدلة العقلية , التي هي آيات الله
الدالة على ربوبيته , و وحدانيته , وعلمه وقدرته وحكمته ورحمته
, فآياته العيانية المشهودة في خلقه تدل على صدق النوع الأول ,
وهو مجرد الخبر , ولم تتجرد أخباره_سبحانه_عن آية تدل على
صدقها, بل قد بين لعباده في كتابه من البراهين الدالة على صدقه
وصدق رسوله ما فيه هدى وشفاء
{7}
.
فلا تجد كتابا
ً قد تضمن من البراهين والأدلة العقلية على هذه المطالب ما
تضمنه القرآن الكريم , قال السيوطي في الإتقان : النوع الثامن
والستون:
قد اشتمل
القرآن العظيم على جميع أنواع البراهين والأدلة , وما من
برهان و دلالة وتقسيم وتحذير تبنى من كليات المعلومات العقلية
والسمعية إلا و كتاب الله قد نطق به , لكن أورده على عادة
العرب دون دقائق طرق المتكلمين لأمرين:
أحدهما : بسبب
ما قاله :(وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم)
{إبراهيم
4}
والثاني : أن
المائل إلى دقيق المحاجَّة هو العاجز عن إقامة الحجة بالجليل من
الكلام , فإن من استطاع أن يفهم بالأوضح الذي يفهمه الأكثرون
لم ينحط إلى الأغمض الذي لا يعرفه إلا الأقلون , ولم يكن ملغزا
ً , فأخرج تعالى مخاطبته في محاجَّة خلقه في أجلى صورة, ليفهم
العامة من جليلها ما يقنعهم ويلزمهم الحجة , وتفهم الخواص في
أثنائها ما يربي على ما أدركه فهم الخطباء .
قال ابن أبي
الإصبع: زعم الجاحظ أن المذهب الكلامي لا يوجد منه شيء في
القرآن , وهو مشحون به , وتعريفه انه احتجاج المتكلم على ما
يريد إثباته بحجة تقطع المعاندة فيه على طريقة أرباب الكلام .
ومنه نوع منطقي تستنتج منه النتائج الصحيحة من المقدمات
الصادقة, فإن الإسلاميين من أهل هذا العلم ذكروا أن من أول
سورة الحج إلى قوله: (وأن الله يبعث من في القبور )
{الحج7}
- خمس
نتائج تستنتج من عشر مقدمات , قوله: (ذلك بأن الله هو الحق)
{الحج6}
لأنه قد ثبت عندنا بالخبر المتواتر أنه تعالى أخبر بزلزلة
الساعة معظما ً لها , وذلك مقطوع بصحته, لأنه خبر أخبر به من
ثبت صدقه عمن ثبتت قدرته, منقول إلينا بالتواتر, فهو حق , ولا
يخبر بالحق عما سيكون إلا الحق , فهو الولي.
و أخبر تعالى
أنه يحيي الموتى , لأنه أخبر عن أهوال الساعة بما أخبر,و حصول
فائدة هذا الخبر موقوفة على إحياء الموتى ليشاهدوا تلك الأهوال
التي يعلمها الله من أجلهم.
وقد ثبت أنه
قادر على كل شيء , ومن الأشياء إحياء الموتى , فهو يحيي
الموتى.
و أخبر تعالى
أنه على كل شيء قدير, لأنه أخبر أنه من يتبع الشياطين ومن
يجادل في الله بغير علم - يذقه من عذاب السعير , ولا يقدر على
ذلك إلا من هو على كل شيء قدير, فهو على كل شيء قدير.
و أخبر أن
الساعة آتية لا ريب فيها , لأنه أخبر بالخبر الصادق أنه خلق
الإنسان من تراب إلى قوله: (لكيلا يعلم من بعد علم شيئا)
{الحج5}
وضرب لذلك مثلا ً بالأرض الهامدة التي ينزل عليها الماء فتهتز
وتربو , وتنبت من كل زوج بهيج . ومن خلق الإنسان على ما أخبر
به فأوجده بالخلق ثم أعدمه بالموت, ثم يعيده بالبعث , وأوجد
الأرض بعد العدم فأحياها بالخلق ثم أماتها بالمحل, ثم أحياها
بالخصب , وصدق خبره في ذلك كله بدلالة الواقع المشاهد على
المتوقع الغائب , حتى انقلب الخبر عيانا ً - صدق خبره في
الإتيان بالساعة , ولا يأتي بالساعة إلا من يبعث من في القبور,
لأنها عبارة عن مدة تقوم فيها الأموات للمجازاة , فهي آتية لا
ريب
فيها , و هو سبحانه يبعث من في
القبور .
و قال غيره:
استدل سبحانه على المعاد الجسماني بضروب:
أحدها: قياس
الإعادة على الابتداء , قال :(كما بدأكم تعودون)
{الأعراف
29 }
(كما بدأنا أول خلق نعيده)
{الأنبياء
104}
(أفعيينا بالخلق الأول)
{ق
15}
ومنها القول
بالموجب , قال ابن أبي الإصبع : وحقيقته رد كلام الخصم من فحوى
كلامه .
وقال غيره هو
قسمان :
أحدهما : أن
تقع صفة في كلام الغير كناية عن شيء أثبت له حكم, فيثبتها لغير
ذلك الشيء كقوله تعالى :(سيقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن
الأعز منها الأذل ولله العزة...)
{المنافقون
8}
فالأعز
وقعت في كلام المنافقين كناية عن فريقهم,و الأذل كناية عن فريق
المؤمنين , و أثبت المنافقون لفريقهم إخراج المؤمنين من المدينة
, فأثبت الله في الرد عليهم صفة العزة لغير فريقهم, و هو الله
و رسوله والمؤمنون , وكأنه قيل : صحيح ذلك ليخرجن الأعز منها
الأذل , لكن هم الأذل المُخْرَج, و الله ورسوله الأعز المُخِْرج .
والثاني : حمل
لفظ واقع في كلام الغير على خلاف مراده مما يحتمله , بذكر
متعلَّقه, ولم أر من ذكر له مثالا ً من القرآن. وقد ظفرت بآية
منه, وهي قوله تعالى:(ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن
قل أذن خير لكم)
{التوبة
61}
و منها :
التسليم ,وهو أن يفرض المحال , إما منفيا ً أو مشروطا ً
بحرف الامتناع, ليكون المذكور ممتنع الوقوع لامتناع وقوع شرطه
ثم يسلم وقوع ذلك تسليما ًجدليا ً, ويدل على عدم فائدة ذلك على
تقدير وقوعه , كقوله تعالى:(ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من
إله إذا ً لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض)
{المؤمنون
91}
.
المعنى ليس مع الله إله , ولو سلم أن مع الله إلها ً لزم من
ذلك التسليم ذهاب كل إله من الإثنين بما خلق , و علو بعضهم على
بعض فلا يتم في العالم أمر ولا ينفذ حكم ولا تنتظم أحواله.
والواقع خلاف ذلك ,ففرض إلهين فصاعدا ً محال , لما يلزم عليه
من المحال .
ومنها : الإسجال
, وهو الإتيان بألفاظ تسجل على المخاطب وقوع ما خوطب به , نحو
قوله تعالى :(ربنا و آتنا ما وعدتنا على رسلك)
{آل
عمران 194}
(ربنا و أدخلهم جنات عدن التي وعدتهم)
{غافر
8}
فإن في ذلك إسجالا ً بالإيتاء و الإدخال , حيث وصفا بالوعد من
الله الذي لا يخلف وعده .
ومنها : الإنتقال , وهو أن ينتقل المستدل إلى استدلال غير الذي كان
آخذا ً فيه, لكون الخصم لم يفهم وجه الدلالة من الأول , كما
جاء في مناظرة الخليل الجبار لما قال له :
(ربي الذي يحيي
ويميت)
{البقرة
258}
فقال الجبار: أنا احيي و أميت , ثم دعا بمن وجب عليه القتل
فأعتقه ومن لا يجب عليه القتل فقتله , فعلم الخليل أنه لم يفهم
معنى الإحياء و الإماتة أو علم بذلك وغالط بهذا الفعل , فانتقل
عليه السلام إلى استدلال لا يجد له الجبار وجها ً يتخلص به منه
فقال :(فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب)
{البقرة
258}فانقطع
الجبار وبهت ولم يمكنه أن يقول : أنا آتي بها من المشرق لأن من
هو أسن منه يكذبه.
ومنها : المناقضة , وهي تعليق أمر على مستحيل
إشارة إلى استحالة وقوعه , كقوله تعالى: (ولا يدخلون الجنة حتى
يلج الجمل في سم الخياط)
{الأعراف
40}
ومنها :مجاراة
الخصم ليعثر , بأن يسلم بعض مقدماته حيث يراد تبكيته و إلزامه
, كقوله تعالى : (إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا)
{إبراهيم
11/10}
فقوله:(إن نحن إلا بشر مثلكم) فيه اعتراف الرسل بكونهم مقصورين
على البشرية ,فكأنهم سلموا انتفاء الرسالة عنهم ,وليس مرادا ً
بل هو من مجاراة الخصم ليعثر فكأنهم قالوا : ما ادعيتم من
كوننا بشرا ً حق لا ننكره , ولكن هذا لا ينافي أن يمنَّ الله
علينا بالرسالة .
فالمقصود أن
القرآن مملوء بالاحتجاج (8) , وفيه جميع أنواع الأدلة و الأقيسة الصحيحة. وأمر الله تعالى ورسوله فيه بإقامة الحجة
والمجادلة , فقال تعالى:(وجادلهم بالتي هي أحسن){النحل
16/125}
وقال:(و لا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن)
{العنكبوت
29/46}
وهذه مناظرات القرآن مع الكفار موجودة فيه ,
وهذه مناظرات رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لخصومهم و
إقامة الحجج عليهم , لا ينكر ذلك إلا جاهل مفرط في الجهل .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- ثور
القرآن و الإتقان للسيوطي 2/185: بحث عن علمه و فاتش العلماء
في تفسيره ومعانيه . (اللسان؛ثور)
2- أعلام
الموقعين 1/49
3- الإنصاف 96
4- الإتقان
للسيوطي 1/5
5- الأبيات
لأبي الطيب المتنبي
6- مختصر
الصواعق المرسلة: 73 .
7- مختصر
الصواعق المرسلة : 97 .
8- وقد خص
الإمام الرازي كتابا ً في ذلك سماه حجج القرآن , وللإمام
الشافعي كتاب الحجة , صنَّفه في العراق سنة سبع وسبعين ومئة .
*-
أستاذ النحو
والصرف في جامعة دمشق وفي قسم التخصص في معهد الفتح الإسلامي