مقالات


وابتغوا إلى العربية سبيلا ً

بقلم الدكتور : أيمن عبد الرزاق الشوا
 

                                                                                          

 بسم الله الرحمن الرحيم

يقولون : إن لكل نفس في هذه الحياة هوى تستلذه وتميل إليه ، فسبحان الذي جعل هوى نفوسنا حب لغتنا العربية ، حبا ً بلغ فينا مبلغ العشق لها ، بل مبلغ الشغف بها كيف لا و  هي :

لغة ٌ إذا وقعت على أســماعنا                كـانـت لنـا بـردا ً عـلى الأكباد
ســتظـل رابـطة ً تـؤلـف بـيننـــا                فـهـي الـرجـاء لـناطق ٍ بالضــاد

وسبحان الذي أحل في قلوبنا هذا الضرب من الهوى إلا بعد أن أبدلنا بالتعب فيه راحة ، و بالألم لذة ، وبالسأم غبطة و رضى .
لقد آمنا بلغة القرآن إيماننا بالقرآن ، فما عسى أن تكون أمنية كل مؤمن بعظمتها ، موقن بحيويتها كلف ببيانها و روعتها ؟
 أهو غير الجلوس مع المؤمنين الصابرين ، المداوين لأدوائها ، و الحافظين لسلامتها ، والمجددين لشبابها ، والعاملين على جعلها أصلح ما تكون للتعليم في كل مؤسساتنا و معاهدنا و جامعاتنا ؟ و للتعبير الصادق عما لنا من حاجات كثيرة في خضم هذه المدينة الحاضرة !
إن الاهتمام باللغة - أي لغة - إنما هو ارتقاء بها و بالأمة ، و إنما هو عز ّ - وأي عز ّ - و كم عز ّ أقوام بعز ّ لغات .
ترتقي لغة كل قوم بدرجة رقي المتكلمين بها ونجاحهم ، و مد ّ سيطرتهم على الأصقاع الأخرى و مخالطتهم لغيرهم من الأقوام ، إذ يأخذون من اللغات الأجنبية ما يكون سهلا ً و يحتاجون إليه سدا ً للفراغ الذي يُحدثُ فقر لغتهم في كثير من العلوم و الفنون المتداولة فيما بينهم .
و لا يخفى ما كان للعرب من حضارة مشرقة ، و من سطوة و نفوذ و كثرة فتوحات وسعة معارف و علوم .
و اللغة العربية كانت الأسمى و لقد انتشرت في أصقاع العالم القديم و المعاهد العلمية الزاهرة ، خاصة بلاد الشام والعراق و مصر و الأندلس ، حتى أصبحت كعبة يحج إليها طلاب أوربا و آسيا و إفريقيا ، - و لا تزال إن شاء الله تعالى - فـتمكنوا بهذه الواسطة من نشر آدابهم بين أولئك الأقوام الذين أخضعوهم لأحكامهم ، فدانوا لآدابهم و فلسفتهم و علومهم و فنونهم الجميلة .
إن الكلام عن اللغة العربية هو قديم جديد : فهو موضوع قديم لأن أسلافنا أشبعوه بحثا ً ، فبينوا أصل اللغة و حقيقتها و دورها في حياة الأمة ، وضرورة استيعابها ، منطلقين من الماضي التليد دارسين التراث العربي الأصيل الذي كان منارة في بناء الصرح الحضاري الإنساني .
و هو جديد لما نجده من اهتمام الأمم قاطبة بلغاتها و العناية بها خير عناية ، ولنا من بين هذه الأمم الناهضة شأن غير شأنها ، و من ثمة كانت علينا واجبات أكبر من واجباتها ، حتى نبلغ مرحلة الوعي لمبادئنا .
و أصالة الكلام في اللغة ، ولا سيما إذا كانت كاللغة العربية لها شأن في التاريخ ومقام في الأدب ، و أثر في الحضارة ، لمــمَّـا يتسع فيه مجال القول . وغني عن البيان أن اهتمام الأمة
- أيّ أمة - بلغتها دليل على حضارتها و أصالتها ، فليس الإنسان بابن عنصره الأصلي ، ولكنه ابن لغته ، و ليست الأمة شيئا ً سوى لغتها ، أو بعبارة أصح الأمة لفظ و اللغة معناه و أي أمة أضاعت لغتها فقد هلكت ، قل : لا تفنى الأمم ، و لكنها تموت اللغات .
و كم نادى أصحاب الغيرة في أوائل العصر الحاضر ، عصر القوميات بالتركيز على أهمية اللغة و الدفاع عنها و حمايتها و صونها .
ثم عرفوا يقينا ً أن اللغة هي الركن الأقوى الذي يشاد عليه بناء القومية ، فخليق بعد ذلك بالعرب أن يحرصوا على لغتهم - وهي تلك اللغة التاريخية السامية   - حرص الشريف على أعز كرائمه و أخص مميزاته .
اللغة العربية أرسخ اللغات ثباتا ً و بيانا ً ، فلقد ماشت الدهر قديمه و حديثه ، و هي هي لم تتغير و لم تختلف فيها مناحي البلاغة ، و لا تبدلت وجوه الفصاحة منذ أعرق زمن عرفت فيه إلى يومنا هذا ثم من بعده آخر الدهر .
لقد بعث الله في القرون الخمسة من بعد الهجرة رجالا ً أكرمهم بروائع الكلم و اصطفاهم لحر القول و أجرى على ألسنتهم الحكمة و فصل الخطاب ، فوعوا ما ألهمهم إياه ، و بلغوا رسالة البيان على أتمها .
و قفَّى على آثارهم بقوم اتبعوا سنن من قبلهم حَـذُوَ القذاة بالقذاة ، وعدوا الخروج عما اختطه السلف من ضلالات البدع بل من كبائر الفواحش ، فاجتنبوا ما ظهر منها و ما بطن ، و بذلك نزلوا بطوعهم و رضاهم عن حق الوجدان النفسي و الشعور الباطني و كل ما يقذف في روع الشاعر ، فكانوا يحتذون مثال غيرهم ، و يضربون على غرار سواهم ، وينطلقون بما لا تجيش به صدورهم ، وكان مثلهم كمثل الذي شدد فشدّدوا عليه .
قال غوستاف لوبون :
كلما أمعنا في درس حضارة العرب و كتبهم العلمية و اختراعاتهم و فنونهم ، ظهرت لنا حقائق جديدة و آفاق واسعة ، و لسرعان ما رأينا أن العرب أصحاب الفضل في معرفة القرون الوسطى لعلوم الأقدمين ، و أن جامعات الغرب لم تعرف مدة خمسة قرون موردا ً علميا ً سوى مؤلفاتهم ، وأنهم هم الذين مدَّنوا أوربا مادة و عقلا ً و أخلاقا ً ، و أن التاريخ لم يعرف أمة أنتجت ما أنتجوه في وقت قصير ، و أنه لم يفقهم قوم في الابتداع الفني ...
و لم تزل للعرب عناصر حضارتهم - وإن شئت فقل : ديانتهم و لغتهم و فنونهم حية - .
و ثبتت أصول شريعة الرسول ، و فنون العرب و لغتهم أينما حلت 1
قال الثعالبي في ( فقه اللغة و سر العربية ) :
( من أحب َّ الله أحب رسوله ( المصطفى ) صلى الله عليه وسلم ، ومن أحب النبي العربي أحب العرب ، و من أحب العرب ، أحب اللغة العربية ، و من أحب  العربية عُني بها ، وثابر عليها ، وصرف همته إليها ، و من هداه الله للإسلام و شرح صدره للإيمان ، و آتاه حسن سريرة فيه اعتقد أن ( محمدا ً ) صلى الله عليه وسلم خير الرسل ، و العرب خير الأمم ، والعربية خير اللغات و الألسنة ، و الإقبال على تفهمها  من الديانة ، إذ هي أداة العلم ، و مفتاح التفقه في الدين ، و سبب إصلاح المعاش و المعاد .
و لو لم يكن في الإحاطة بخصائصها ، و الوقوف على مجاريها و مصارفها ، والتبحُّر في جلائلها و دقائقها   ، إلا قوة اليقين في معرفة إعجاز القرآن ، و زيادة البصيرة في إثبات في النبوة الذي هو عُمدة الإيمان ، لكفى بهما فضلا ً يَحسُن أثره ، ويطيب في الدارين ثمره .
وقال الرافعي :
إن في العربية سرا ً خالدا ً ، هو هذا الكتاب المبين الذي يجب أن يؤدى على وجهه الصحيح ، ويُحكم منطقا ً و إعرابا ً ، بحيث يكون الإخلال بمخرج واحد منه كالزيغ بالكلمة عن وجهها ، وبالجملة عن مؤداها ، إنما القرآن جنسية لغوية تجمع أطراف النسبة إلى العربية ، فلا يزال أهلها مستعربين به ، متميّزين بهذه الجنسية حقيقة أو حكما ً ، و لولا هذه العربية التي حفظها القرآن على الناس و ردّهم إليها .. لما تماسكت أجزاء هذه الأمة .
و قال الدكتور مازن المبارك :
إن اللغة تمتاز من بين سائر العلوم بأنها مزدوجة المنفعة أو ثنائية الغاية ، لأنها بالإضافة إلى أنها علم بذاتها ، وسيلة لاكتساب غيرها من المعارف و العلوم ، و تظهر هذه الميزة للّغة العربية حين يكون البحث متصلا ً بالمصادر التراثية التي صاغها أصحابها بأساليب لغوية أصيلة لا يدرك بُعدها إلا من حظي من العربية بنصيب وافر ، كما تظهر هذه الميزة أيضا ً في كثير مما نقرأ من مؤلفات و بحوث و قراءات معاصرة في الشريعة والتفسير و الفلسفة و التاريخ و التراجم وغيرها . و ما نقف عليه فيها من نقص أو قصور أو خطأ كان سببه سوء الفهم اللغوي ، وقلة بضاعة الباحث من اللغة ، و عدم معرفته لأساليب العرب في التعبير ، و خطؤه في إدراك مدلولات الألفاظ .
و إن المتتبع لنشأة علماء المسلمين و مراحل تعلّمهم يدرك أنه كانت لهم أصول راسخة يتبعونها في التنشئة العلمية أو ما نسميه اليوم بالتربية و التعليم ، و أنه كان من أوكد تلك الأصول أن يتقن المتعلم كتاب الله ثم يُثنّي بعلوم اللغة ، فما من عالم في القراءات أو التفسير أو الفقه إلا و هو عالم باللغة و نحوها و دلالات ألفاظها و أساليب العرب في التعبير بها ، و ما من مختص - أيا كان اختصاصه - إلا قد أتقن قبل أن يسلك طريق اختصاصه العلوم التي تخدم اختصاصه و تؤهله للبراعة فيه ، و من أبرز تلك العلوم علوم اللغة العربية التي سمّاها علماؤنا (علوم الآلة) لإدراكهم أنها التي يُحصلُّون بها علومهم ، إذ بها يفهمون تلك العلوم ، و بها يعّبرون عنها و يؤلفون فيها .  
و لمّا كانت اللغة العربية هي الطريق إلى فهم كتاب الله ، و بأساليبها عُرض الوعد و الوعيد ، و بكلماتها صُوَّر النعيم و الجحيم ، وصيغت  الحدود و الأحكام ، وبها نطق النبي صلى الله عليه وسلم ، فكم أضلَّ الضعفُ بها أقواما ً ، فزاغ منهم الفهم و انحرفت العقيدة . لذلك كان معظم علماء الأمة يتقنون علوم العربية إتقانهم لاختصاصهم نفسه ، حتى لم تعد تعرفُ بأي تلك العلوم كان أحدهم أكثر اختصاصا ً ! هكذا كان الاختصاص عند علمائنا داعية ً إلى إتقان علوم تسبقه و تلازمه ، و تكون دعامة له ، تؤهل له و تعين عليه .
و ظل الأمر على ذلك قرونا ً ، و جنينا منه أطيب الثمار التي تعتز بها المكتبة الإسلامية و العربية ، و إذا ما ألقينا نظرة مقارنة على لغات الأمم الحية لوجدنا الحرص ثم الغيرة على احترام هذه الأمم للغاتها تبلغ التقديس ، فلحكيم الصين المشهور : كونفوشيوس كلمة يقول فيها : لو قُـدَّر لي الحكم لبدأت بإصلاح اللغة ، والصينيون يقدّرون لغتهم . و أرباب اللغة الإنجليزية أيضا ً يهتمون كلَّ الإهتمام و العناية و الرعاية بلغتهم ، و يعكفون على تعليم قواعد تلك اللغة بأساليب شتَّى و دعايات مختلفة . و الفرنسيون يحافظون على رفعة لغتهم و سموّ مكانتها ، و هم يفرضون الغرامات الباهظة على من يستهين بالتحدث باللغة الفرنسية الراقية و لا يسمحون لدعاية من الدعايات أو لافتة من اللافتات أن تُكتب بلغة عامية أو ملحونة .. و لغات تلك الأمم ليست لغة أديانهم !!
و إذا وقفنا عند صلة العربية بالشريعة فإننا لن نتحدث عن العربية كسائر اللغات ، و لن نتحدث عن الإسلام دينا ً إلهيا ً وتشريعا ً مجردا ً عن وسيلة تلقيه و آلة تبليغه و لغة رسالته ، و لكننا نقصد إلى هذه الصلة التي هي صلة الدين باللغة أو صلة الإسلام بالعربية .

العربية لغة الوحي :

لقد شاءت إرادة الله سبحانه و تعالى أن تكون العربية لغة كتابه و لسان وحيه ، و أن يكون ذلك الكتاب الكريم آخر كتبه و خاتمة رسالاته إلى عباده ، فكانت للعربية من ذلك صفة ٌ تفردت بها من بين اللغات الحية ، فلم ترتبط لغة ٌ حية من لغات العالم بكتاب إلهي ارتباط اللغة العربية بالقرآن الكريم ،و لم تحظ لغة غيرها بصفة الإعجاز اللغوي ، وهي المعجزة الخالدة للقرآن الكريم ، وكان من حكمة الله و جميل صنعه ألا يصح نقل ُ القرآن إلى لغة أخرى ، فهو لا يترجم واقعا ً ، و لا تجوز ترجمته شرعا ً ، و إنما تترجم معانيه و تنقل أفكاره ، و لا تسمى تلك الترجمات و لا ذلك المنقول قرآنا ً .
فالقرآن عربي كما وصفه سبحانه و تعالى : ( إنا أنزلناه قرآنا ً عربيا ً ) / يوسف 2 / و أعاد هذا الوصف في غير آية من آيات كتابه الكريم بلغت إحدى عشرة آية هي :