مقالات


الاعتصام بحبل الله المتين سبيلنا الأَوْحَد

بقلم الشيخ الدكتور عبد الفتاح البزم
مفتي دمشق – مدير معهد الفتح الإسلامي



بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله حمد الشاكرين ، الحمد لله حمد الصابرين ، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه ، الحمد لله عاصمِ من اعتصم بحبله ، و راحم من تعرض لفضله ، و قاصم الجبابرةِ بعدله ، و أشهد أن لا إله إلا الله، و أشهد أن محمداً عبده و رسوله ، خير نبي أرسله اللهم صلِّ و سلم وبارك عليه و على آله و أصحابه أجمعين .

أما بعد: قال ربنا جل جلاله في سورة الأنبياء بعد أن ذكر كثيراً من الصفوة المختارة من الأنبياء السابقين ، منهم موسى و هارون ، و إبراهيم وعيسى ، عليهم الصلاة السلام ، و ذكر طرفاً من سيرتهم ، و حياتهم ، و مواقفهم ، و صراعهم مع الباطل ، و صبرهم على أذى الكافرين ليكونوا لنا الأسوة والنبراس الذي نهتدي به قال : [إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ] ، كما قال في سورة المؤمنين بعد ذكر نفر آخر من الأنبياء منهم نوح و هود ، و موسى و عيسى عليهم الصلاة السلام [إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ] ، و في هاتين الآيتين بيان من الله تبارك و تعالى للناس أن جميع الأنبياء من لدن آدم إلى محمد عليهم الصلاة و السلام و من تبعهم ، عبادٌ لله ، تعاقبت عليهم الشدائد ، و امتحنوا بمختلف أنواع البلاء ، و لكنهم صبروا و صابروا ، و تحققوا بالعبودية لله جل جلاله ، يدينون بدين واحد ، دين الإسلام الذي هو الإذعان لله الواحد الفرد الصمد .قال تعالى : [إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ ] و قال : [وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ] .

فما أحوجنا اليوم أمام هذه الأعاصير الهائجة أن نجتمع في ظل العبودية لله لنكون يداً واحدة ضد المكائد التي تراد بنا ، و أن تجتمع الأمة كلها تحت راية قوله تعالى : [وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ] تجتمع لتتمثل أمر الله ، و تنبذ الفرقة و الدسائس ، ولتكون يداً واحدة في نبذ الخلافات و الوساوس . قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ( إن الشيطان ذئب الإنسان ، كذئب الغنم ، يأخذ الشاة القاصية و الناحية ، فإياكم و الشعاب ، و عليكم بالجماعة و العامة والمسجد ) .

إذا حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفرقة و الشتات فلنعلم أن من أسباب السلامة و عدمِ التَّهلُكة ، الاتفاق و البناء و التماسك و البذل في سبيل الله ، و الإحسان لعباد الله عز وجل قال تعالى : [وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ] .

و مع حشد الطاقات الاجتماعية و الثقافية و الاقتصادية ، تحت راية الاعتصام بحبل الله المتين الذي حضنا عليه ربنا سبحانه ، نستطيع أن نؤكد ما بات من المسلمات لدى أبناء أمتنا على اختلاف شرائحها أننا لن نغير من جلدتنا و قناعتنا ، و موقفنا الحازم ، بل نحن ثابتون على الصدع بالحق ، نقف صفاً واحداً منيعاً ، مستعينين بالله ، في وجه كل المحاولات الرامية إلى النيل من كرامتنا ، و ثوابتنا ، و ديننا ، و استغلال ثرواتنا ، و التلاعب بمصيرنا .

نعم ،إن مواجهة التحديات بثبات و عزيمة و الاجتماع على كل ما من شأنه المحافظة على كيان الأمة ، و عدم المساس بقوتها و كرامتها ، يثمر العزة و القوة و السيادة ، و يبعد عن الركب شياطين الإنس و الجن ، يقول نبينا عليه الصلاة والسلام : ( عليكم بالجماعة ، وإياكم و الفرقة ، فإن الشيطان مع الواحد ، و هو من الإثنين أبعد ) .

و يقول ربنا جل جلاله : [وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ].

فلنكن يداً واحدة على أعدائنا ، الذين أحاطت بنا دسائسُهم من كل صوب و جانب ، لإلقاء بذور الفساد فيما بيننا ، فالتفرق دائماً عنوان الانهزام و الإدبار ، لأنه مدار الاختلاف والدمار، و ما مَلكَتْنا قوى الغدر إلا حيث فرَّقتنا أدياناً و مذاهب ، و دويلاتٍ و كتائب . وهذه سياسة المستعمرين من القديم ، من عهد فرعون ذي الظلم العظيم قال تعالى : [إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَى فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ] .

إن أمتنا اليوم تمر بمنعطفات خطيرة ، وبظروف صعبة ، نتيجة التآمر المستمر عليها منذ عقود بعيدة ، التآمرِ الذي ظهر على الساحة اليوم ، حملاتِ حقدٍ و كراهية على أمتنا ، مستهدفاً قطراً بعد قطر ، على وجه العموم ، و سورية على وجه الخصوص ، لأنها تدعم الحق ، و تدعم مقاومة الاحتلال للأرض العربية ، و ترفض الذل و الهوان ، محافظة على تراثها الذي أعزها الله به ، منددة بالظلم الذي حرمه الله.

عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال : إن الله تعالى لما خلق الخلق و استووا على أقدامهم رفعوا رؤوسهم إلى الله و قالوا : يا رب مع من أنت ؟ قال : مع المظلوم حتى يؤدَّى إليه حقه.

علينا معشر المسلمين أن نثق بالله الذي يؤيد المظلوم و ينصره ، علينا أن نثق بالله الذي حرم الظلم على نفسه و جعله محرماً بين عباده كما في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه و سلم فيما يرويه عن الله تبارك و تعالى . و منه أنه قال : ( يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي و جعلته بينكم محرماً فلا تظالموا .. ) .

علينا أن نثق بالله الذي كتب لبلدنا الشام الحفظ ، لأنه خيرة الله من أرضه ، قال عليه الصلاة والسلام : ( سيصير الأمر إلى أن تكونوا جنوداً مجندة ، جندٌ بالشام ، و جندٌ باليمن ، و جندٌ بالعراق ، قال الراوي : خِرْ لي يا رسول الله إن أدركتُ ذلك ، فقال : عليك بالشام ، فإنها خيرة الله من أرضه ، يجتبي إليها خيرته من عباده ... ) .

و عن أبي الدرداء - رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن فسطاط المسلمين يوم الملحمة بالغوطة ، إلى جانب مدينة يقال لها دمشق ، من خير مدائن الشام)

فبلاد الشام مكلوءة بعناية الله ، حين أمر ملائكته أن تبسط أجنحتها حفظاً لها و لأهلها ، فعن زيد بن ثابت قال : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم نؤلف القرآن من الرقاع – أي نجمعه – فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( طوبى للشام ، فقلنا : لأي ذلك يا رسول الله ؟ قال : لأن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليها ) .

و بلاد الشام منصورة بفضل الله و توفيقه لا تبالي بمن خذلها طالما أقامت الحق ، و استقامت على أمر الله سبحانه ، فعن معاوية بن قرة عن أبيه قال . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم ، ولا يزال أناس من أمتي منصورين ، لا يبالون من خذلهم حتى تقوم الساعة ) .

فإذا أكرم الله هذه البلاد بكل هذه المعطيات فلنتق الله ، و لنعلن الصلح معه ، فمن أعلن الصلح مع الله أصلح الله ما بينه و بين الناس ، و من أحسن سريرته أحسن الله علانيته ، و من عمل لآخرته كفاه أمر دينه و دنياه . فلنتحقق بذلك و لنشد أيدينا إلى بعضنا ، و لنبق ساهرين على درء ما يحاك ضدنا ، واثقين بالله ، شأننا بذلك شأن النفر من الصحابة الكرام رضي الله عنهم الذين خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم فوافوا سوق بدر، حين ألقى الله الرعب في قلوب المشركين و جموعهم ، و رجعوا أدراجهم خاسرين ، و زاد الله المؤمنين تصديقاً به ، و تثبيتاً على الحق ، و ثقة بنصره . قال تعالى في سورة آل عمران : [الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ] .

نعم ، ينبغي أن نزداد ثقة بالله ، و إيماناً به ، و ثباتاً على الحق ، مهما اشتدت الأزمات ، و ادلهمت الخطوب ، و تآمرت الأعداء ، لأننا أصحاب حق ، نرفض كل أشكال الضغوطات على بلدنا ، نسمع لقول ربنا جل جلاله ،[ وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم ُّمؤْمِنِينَ ] .

بهذا الإيمان ، و بتلك الثقة ، و بذاك التلاحم ، مع العمل الصادق المخلص ، نشمر عن سواعد العمل الدؤوب ، و نبذل جهودنا ضد الهجمة الشرسة التي نتعرض لها ، و نحول الكلمات الحماسية ، والبلاغية ، والأشعار ، والخواطر ، إلى أفكار مفيدة ، وعمل بناء ، و سلوك جاد ، متحققين بقول ربنا جل و علا : [وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ] . واثقين بقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه و سلم : ( لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس ) .و ملتمسين من دعاء سيدنا المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم ( اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك ، و تحول عافيتك ، و فُجاءةِ نِقمتك ، و جَميعِ سَخطكِ ) .