الحمد لله , والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله , وعلى آله
وصحبه ومن والاه .
وبعد : التصوّف الحقّ هو التحقق بمقام الإحسان الوارد في
الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم عن عبد الله بن عمر عن
أبيه عمر بن الخطاب قال : بينما نحن عند رسول الله صلى الله
عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب , شديد
سواد الشعر , لا يُرى عليه أثر السفر ، ولا يعرفه منا أحد ,
حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه
, ووضع كفيه على فخذية , وقال : يا محمد أخبرني عن الإسلام ,
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أن تشهد أن لا إله إلا
الله وأن محمداً رسول الله , وتقيم الصلاة , وتؤتي الزكاة ,
وتصوم رمضان , وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا " قال : صدقت .
قال : فعجبنا له يسأله ويصدقّه . قال : فأخبرني عن الإيمان ،
فقال : " أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ،
وتؤمن بالقدر خيره وشرّه " قال : صدقت . قال : فأخبرني عن
الإحسان ، فقال : " أن تعبد الله كأنك تراه , فإن لم تكن تراه
فإنه يراك ... " الحديث .
مفهوم مقام الإحسان :
إن الناظر بعين التدقيق والتحقيق إلى أجوبة النبي صلى الله
عليه وسلم لجبريل ـ عليه السلام ـ يخرج بنتيجة واضحة ، هي : أن
التمام والكمال إنما يحصل بوجود أركان الإسلام والإيمان مع
التحقق بمقام الإحسان الذي هو مجاهدة النفس التي وعد الله من
تحقق بها الهداية والتأييد بقوله : { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا
فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ
الْمُحْسِنِينَ } .
تلك المجاهدة التي من مفاتيحها مراقبة الله جلّ جلاله ، وحضورُ
القلب معه سبحانه ، مع يقين أنه لا يخفى عليه شيء ، وأنه يعلم
السر وأخفى ، وأنه القاهر فوق عباده ، متحققاً بقوله تعالى : {
فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ } .
ولما كان العلم بالشيء الاعتقاد الجازم به المطابق للواقع ,
ومعرفة الشيء على ماهو به ، ووصول النفس إلى معناه الحقيقي ،
كان معنى قوله تعالى : { فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا
اللَّهُ } أنه يجب على العبد أن يعرف ربه ، وأن يعلم أنه الفرد
الصمد ، إذ معرفة الله توجب الحياء والتعظيم ، كما أن التوحيد
يوجب الرضا والتسليم، وأن يدرك أنه لا يعزب عنه مثقال ذرة في
الأرض ولا في المساء ، ومن هنا أمر الله ـ جل جلاله ـ أن نعلم
أنه لا إله إلا هو ، وأن لا يكتفي من أراد التوحيد الخالص
بالنطق بالشهادة بل يُطلب منه العلم الجازم واليقين الذي لا
يخالطه أدنى ريب .
ويوضح الإمام النووي في شرح الحديث المذكور آنفا ذلك بقوله : (
هذا من جوامع الكلم التي أوتيها صلى الله عليه وسلم ، لأنا لو
قدّرنا أن أحدنا قام في عبادة ، وهو يعاين ربه سبحانه وتعالى ،
لم يترك شيئا مما يقدر عليه من الخضوع والخشوع , وحسن السَمت ,
واجتماعه بظاهره وباطنه على الاعتناء بتتميمها على أحسن وجوهها
إلا أتى به . ( فكأن رسول الله صلى الله عليه وسم قال ) : اعبد
الله في جميع أحوالك كعبادتك في حال العِيان ، فإن التتميم في
حال العيان إنما كان لعلم العبد باطِّلاع الله سبحانه وتعالى
عليه ، فلا يقْدم العبد على تقصير في هذا الحال ، للاطلاع عليه
، وهذا المعنى موجود مع عدم رؤية العبد ، فينبغي أن يعمل
بمقتضاه. فمقصود الكلام الحثُّ على الإخلاص في العبادة ،
ومراقبة العبد ربه ـ تبارك وتعالى ـ في إتمام الخشوع والخضوع ،
وغير ذلك . وقد ندب أهل الحقائق إلى مجالسة الصالحين ، ليكون
ذلك مانعا من تلبُّسه بشيء من القائص احتراما لهم , واستحياء
منهم , فكيف بمن لا يزال الله تعالى مطلعاً عليه في سرَه
وعلانيته ؟ قال القاضي عياض رحمه الله : وهذا الحديث قد اشتمل
على شرح جميع وظائف العبادات الظاهرة والباطنة من عقود الإيمان
، وأعمال الجوارح ، وإخلاص السرائر ، والتحّفظ من آفات الأعمال
’ حتى إن علوم الشريعة كلها راجعة إليه ومتشعبّة منه ) .
نعم إن مقام الإحسان يجمع بين العبادات الظاهرة والباطنة ،
وأعمال الجوارح ، وإخلاص السرائر ، يوقظ في العبد مسؤوليته بين
يدي ربه ، قال سبحانه : { إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ
وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً }
فقد جعل الله الفؤاد مسؤولا كالسمع والبصر في محيطها . فعلى من
أراد أن يتحقق في مقام القلب ، ليكون فعلا متحققا بمقام
الإحسان الذي أطلق عليه فيما بعد منهج التصوف ، ومن هنا كان
المنهج الصوفي منهجا إسلاميا سليما صحيحا لا غبار عليه ، منهجا
قلبيا روحيا يعتمد على صفت سريرة صاحبها ، ولا يُكتسب ذلك
بالقراءة والمعرفة فقط , بل بتزكية النفس وتأديبها مع الذوق
السليم والحال القويم .
يقول الإمام الغزالي معبّراً عن الرأي الصحيح المبني على
التجربة نفسها : ( ابتدأت بتحصيل علمهم عن مطالعة كتبهم مثل :
القلوب لأبي طالب المكي رحمه الله ، وكتب الحارق المحاسبي ،
والمتفرقات المأثورة عن الجنيد والشبلي وأبي يزيد البسطامي ـ
قدّس الله أرواحهم ـ وغير ذلك من كلام مشايخهم ، حتى اطلعت على
كنه مقاصدهم العلية ، وحصّلت ما يمكن أن يحصّل من طريقهم
بالتعلم والسماع , فظهر لي أن أخصّ خواصّهم ما لايمكن الوصول
إليه بالتعلّم , بل بالذوق والحال وتبدل الصفات ... )
...............
من مقدمة شرح الشرنوبي على الحكم العطائية
بقلم : الدكتور الشيخ عبد الفتاح البزم