الإنسان كما هو معلوم في منظورنا الإسلامي كائن معتبر بشطريه
المادي والروحي، ومهما أنكر الماديون شطر الروح، فلا ازدهار
للإنسان إلا إذا تكمَّل جزءاه معا، ، فبتقدم الإنسان في وسائل
المادة الحضارية يقترب من تكمُّله المادي ، وبسموّه في معانيه
الفاضلة الخلقية يقترب من تكمُّله الروحي، وبالأمرين معا يتحقق
الازدهار الإنساني على الأرض.

ومما
يدلل على دعوة الإسلام إلى هذا الازدهار بشطريه قوله تعالى:
(وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِـنَا فِي الدُّنْيَا
حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ،
أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا) البقرة ( 201-202
).
وقد
طلب تطويرا ماديا بقوله : (هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ
وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ) ( 61) هود
وأراد
ارتقاءً معنويا بقوله: (وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ
إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ
لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) {77}القصص
ولئن
كان الشرق الإسلامي مقصرا في تلبية النداء الإسلامي لتطوير
الأرض وإعمارها ماديا، فإنَّ التطور المادي الغربي اليوم يحقق
جزءا كبيرا منه.
لكنَّ
تقصير الشرق في التطوير المادي يقابله أيضا تقصير غربي في
الارتقاء الخلقي المعنوي، وقد حاولت المدارسُ الخلقية،
والأفكارُ الفلسفية الغربية ترميم الشرخِ الحاصل في البناء
الاجتماعي لكنها لم ترتق إلى المستوى الفاضل الذي دعت إليه
العلوم الإلهية التي بلَّغها عن الله تعالى الرسلُ للناس ،
وجاء بها في الختام مجموعةً محفوظةً خاتمُ الرسل محمدٌ صلى
الله عليه وسلم.
وبقي
كثير من معضلاتٍ الإنسانية الخُلُقية في البيئة الغربية من غير
حلّ، فقد أُطلق العنان للنزوات؛ وكادت شهوات النفوس ورغباتها
على المستويات الفردية والجماعية أن تستأصل ثوابت الفضيلة، أو
أسس العدالة، أو سموَّ السلوك الإنساني.
فقد
استُبعِدَ أن يكونَ للعفة والفضيلة دستورٌ ناظمٌ للمدنية
الجديدة، وشاعت الإباحية والشذوذ الجنسي باسم الحريات، ولم ير
المشرعون الوضعيون غضاضة في ذلك، وتفككت كثير من الأسر، واضطرب
التماسك بين الأجيال السابقة واللاحقة، ووهنت الصلة بين الابن
والأب والجد، وظهرَ مع ما ذكر تباينٌ اجتماعيٌ رهيبٌ في الحياة
المعاشيةِ بسبب فُقدان التراحم ومجافاة الدين، وصوَّتَ
الأغنياء لحكوماتهم التي تسرق ثروة البشر في البلاد الضعيفة،
وباركوا فعلتها تلك، ثم وصلت الفوضى الخلقية إلى ما يدعى
بالشرعية الدولية التي فقدت كثيرا من أسس العدالة الإنسانية
فحق ( الفيتو ) على سبيل المثال الذي تواطأت على إقراره الدول
الثرية يميّز بين الشعوب، ويعطي للدول القوية سلطةً لا تملكها
الدول الضعيفة، ويدعم مجلس الأمن ظلمَ الظالمين، وينأى بجانبه
عن مصالح الشعوب المضطهدة ، وما قضية فلسطين منا ببعيد .
وأفرزت هذه الفوضى الخلقية اتفاقات دولية تكرس الاضطراب
الاجتماعي باسم التقدم والتطور، ومن أمثلة هذا الاضطراب وثيقة
حقوق الطفل التي تنشرها (اليونيسيف) وتضعُ الوالدين في قيودٍ
تتنافى مع الجبلّة البشرية، وتسير بقواعد التربية بعيدا عن
التوازن الإنساني، وتفسحُ المجال لممارسات المراهقين السلوكية
الشاذة باسم الحريات أيضا.
ولم
تقف الفوضى الخلقية الغربية عند الممارسات العملية الفردية
والجماعية، بل تعدّت ذلك إلى قلب الحقائق وتقريب المسافة بين
الكذب والصدق في إمبراطورية الإعلام التي تسعى وراء المصالح
السياسية والعسكرية، ولا ترى في تشويه الحقيقة غضاضة طالما
أنها تقود إلى المصالح، اتباعا للمكيافيللية التي تتبعها وقامت
على أسسها السياسات الغربية.
من
هنا بدأت الحاجة الغربية إلى إنقاذٍ معنويٍّ وخلقيٍّ تظهر،
تماما كما ظهرت الحاجة الشرقية إلى إنقاذ مادي، والغربُ قادرٌ
على إنقاذ الشرقِ بوسائله المادية، لكن من الذي سينقذ الغربَ
من ذلك الاضطراب المعنوي؟
هل
ستنقذه البوذية الشرقية التي تدعو إلى بعض الفضائل؟ وهي متخبطة
في الأساطير والخرافات!
أم
اليهودية التي تؤكِّدُ على قوانين السلوك وتهملُ في التطبيق
روح المحبة والرحمة، وتنغلق على عرقيتها وقوميتها؟
والمسيحية الغربية المعاصرة وإن كانت بالأصل تملك في تكوينها
عنصر المحبة لكنها تعاني اليوم في الغرب من إعراض أبنائها
عنها، فقد انخفضت نسبة التدين في أوساطها هناك كثيرا، وكاد
المتمسكون بها أن يتعاملوا معها في أيام العطلة الأسبوعية فقط
باعتبارها متنفس الروح، وتخلت للقوانين الوضعية عن قيادة
المجتمعات.
وبدأت
البدائل المضطربة تنتشر في الغرب لملء الفراغ الروحي، بتحضير
الأرواح، وصناعة الأفلام التي تتحدث عن مصاصي الدماء، والأشباح
المختنقة التي تجول هنا وهناك، وكلها ظواهر جديدة مفعمة
بالخرافة تحاول إيجاد شاغلٍ روحي من صناعة البشر.
وعند
هذه النقطة يبدو أنَّ عقلاء الغربِ بدؤوا يلمسون الحاجة
الإصلاحية إلى الإسلام، وهو آخر الأديان التي أنزلها الله
تعالى إلى البشرية.
لكنَّ العوائق التي تعيق التصريح بهذه
الحقيقة كثيرة جدا منها:
-
التَعَصُّبُ التقليدي الذي يحمل بعضَهم على إنكار الشمسِ بسبب
ألفة الموروث.
-
الجهلُ بحقيقة الإسلام، وتوهمُ تقييده للمصالح، مع أنه دينٌ
يعتبر المصالح ويدعو إليها طالما أنها لا تتنافى مع مبدأ
العدالة والمساواة الإنسانية، فالإسلام حريصٌ على نشر العدالة
الاجتماعية، والعدالة الاقتصادية، ولو تبنى الغرب، على سبيل
المثال، مبدأ الزكاة الذي يقدمه الإسلام، لزالت من أوساطه
أزمات اقتصادية كبيرة.
-
توهم تقييد الإسلام للحريات، مع أنه المبدأ الذي يتبنى الحرية
الفردية، لكنه يشترطُ أن تكون بعيدة عن إيذاء المجتمع.
-
توهمُ التـناقض بين الإسلام والعلم، مع أنَّ قرآنه امتلأ
بعبارات: (اعلموا، فاعلم، انظروا يعقلون....).
-
توهمُ العدائية في طبيعة الإسلام وتوهم تبنيه للعنف، مع أنَّ
رسوله سماه الله رحمة.
-
توهم تمييز الإسلام بين الرجل والمرأة، مع أنَّ الإسلام قدّم
تكاملا فريدا في الوظائف بين الجنسين، وأوجد توازنا بينهما لا
يجده أحد في سواه.
ويضافُ إلى ما تقدم من العوائق قولُ القائل: إن أتباعَ الإسلام
صاروا يمثلون العالم المتخلف الحاضر، وزعمُ الزاعم: أن الإسلام
مرحلة تاريخية قد انتهى دورها الحضاري، وليس على الإسلامِ إلا
أن يدخلَ إلى المسجدِ ليعلم الناسَ طقوسَ العبادة، وتُراثَ
العادات المعهودة، بعيدا عن حركة الحياة وحيوية النشاطات
الواقعية.
ومما
لا شك فيه أن واقع المسلمين المتخلف يمثل نكسة في الحوار مع
الغرب، فقد تأرجح أكثر المسلمين بين غثائية صلتُها بالإسلام
كخيط العنكبوت ؛ وروحانيةٍ لا تبحث عن طريقٍ عملي حضاري،
وجَهِلَ أكثر المسلمين حقائقَ الشريعة الإسلامية وتركوا أسبابَ
المعرفة وتبنى بعضهم الأوهام وما لا يصح من الرواية، وساقت
الضرورة والفقر ضعفاءهم إلى انحرافاتٍ مالية فيها الرشوة
والسرقة والغش والاحتكار، وانتشر الاختلاف بسبب الأغراض
الشخصية، والمآرب النفسانية الناتجة عن ضعف الإيمان وخمود
الصدق والإخلاص، والغفلة عن روابط الأخوَّة في الأمة.
وعمم
بعضُ الغربيين الحكمَ على الإسلام من خلال واقع المسلمين.
على
أنَّ انتشار الحرية الفكرية في الغرب، وميلَه إلى البحث قادَ
بعضَ الغربيين بالتفكير الحر إلى قبولِ الإسلام منقذا إنسانيا،
وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى كلمات بعضِ المفكرين الأحرار
كالأمير بسمارك الذي يقول: "لقد درستُ الكتب السماوية بإمعان
فلم أجد فيها الحكمة الحقيقية التي تكفل سعادة البشرية وذلك
للتحريف الذي حصل فيها ولكني وجدت قرآن محمد صلى الله عليه
وسلم يعلو على سائر الكتب ، وقد وجدت في كل كلمة منه حكمة وليس
هناك كتاب يحقق سعادةَ البشرية مثله ولا يمكن أن يكون كتابٌ
كهذا من كلام البشر فالذين يدّعون أن هذه الأقوال أقوالُ محمدٍ
صلى الله عليه وسلم يكابرون الحق وينكرون الضرورات العلمية ".
وتعجبَ العلّامة النُورسي من الذين لا ينصفون الإسلام مع
حاجتهم إليه فقال: "أعداءُ الدّين الذين يبخسون الإسلام حقه
يستحقون لقب ( الصديق الأحمق) "، فلم يكن ينظر إلى الغرب على
أنه عدو لكنه كان يراه باعتبار إنسانيته صديقاً، وكان يرى أن
الفتوحاتِ الجديدة للإسلام لن تكون بقوة السلاح بل بالبراهين
القاطعة لأن الغلبة الحضارية لا تكون عادة إلا بالإقناع.
ولن
يكونَ الشرقُ الإسلامي قادرًا على التكامل مع الغرب المادي
لتحقيق الازدهار المشترك حتى يرتقي إلى المستوى الإنساني في
الحوار، بالارتقاء المعرفي والثقافي، والخلقي، واللغوي، وفهم
الثقافة الغربية ومبادئ العلوم المعاصرة، وتبني الأسلوبِ
المؤسساتي البعيد عن الشخصانيات الفردية، وتبديل الأسلوب
الخطابي القديم إلى الأسلوب الإقناعي الهادئ المعاصر لأنَّ
الأسلوب الخطابي يداعب الأحاسيس ويؤثر في الميول والرغبات،
وربما خدعَ السامع بفن التصوير وبراعة التزيين، أما الأسلوب
الإقناعي والعقلي فيتوجه إلى الأفكار والحجج، ويصل بموضوعية
إلى الحقيقة، ولا بد في الحوار من التعريف الحكيم بشخص سيدنا
محمد صلى الله عليه وسلمالذي لم يأتِ من الشرق عدوًّا للغرب
كما يتوهم الجاهلون، بل جاء إلى العالم رحمة وعدالة وفضيلة،
وما عَرَفَ روميٌّ أو فارسيٌّ أو حبشيٌّ أو تركيٌّ أو عربيٌّ
هذا الرسول الكريم معرفة متجردة عن الأهواء الفاسدة والعصبيات
إلا عشقه وأحبه.
وفي الخلاصة أقول:
لابد
من مشروعِ تكاملٍ صادقٍ بين الشرق الإسلامي والغرب المادي يقوم
به فدائيو محبة، لا انتحاريو عداء، يفهمون معنى الازدهار
الإنساني ويسعون إليه، ويدركون أبعاد المتغيرات الجديدة ، وما
يستجد على الأرض من الثقافات.
يخرج
هذا المشروع عن إطار الإقليمية والعرقية إلى مستوى العالمية
الإنسانية ، ويستوفي كل شروط التقدير والاحترام في الخطاب.