(إن أراد العالم بعلمه وجه
الله عز وجل هابه كل شيء)
هكذا أجاب حمّاد بن سلمةَ
(1) حينما أرادوا منه أن يأتي ديوان الأمير محمد بن سليمان (2)
ليسأله عن فتوى , وقد أرسل له من يبلغه ذلك . قال مُقاتل بن
صالح الخراساني :
دخلت على حمَّاد في بيته
فلم أجد إلا حصيرا ً جالسا ً عليه , وبيده مصحف يقرأ فيه ,
وجراب فيه الكتب , ومطهرةٌ يتوضأ منها , وليس في البيت أثاث
ولا رياش , فمكثت قليلا ً وأنا جالس أفكر في هذا الرجل وبيته ,
فبينما أنا جالس دُقَ الباب , فقال حمّاد بن سلمة :
يا صبية............اُخرجي
فانظري مَن ْ هذا ؟
فقالت : رسول ٌ من محمد بن
سليمان , قال : قولي له يدخل وحده , فدخل , فناوله كتابا ً ,
فإذا فيه : بسم الله الرحمن الرحيم , من محمد بن سليمان إلى
حمّاد بن سلمة , أمَّا بعد , فصبَّحك الله بما صَـبَّح به
أولياءه و أهل طاعته , وقعت مسألة فأتينا نسألك عنها , والسلام
.
وظنَّ أنه سيجيب فرحا
ً مسرورا ً بدعوة الأمير إليه , كما يفرح ُ كثير ٌ من العلماء
بدعوة الأمراء إياهم .
قال : يا صبية , هاتي
الدواة , ثم قال لي : ....... اقلب الكتاب واكتب على ظهره :
(أما بعد : وأنت فصبَّحك
الله بما صبَّحَ به أولياءه وأهل طاعته , إنا أدركنا العلماء
وهم لا يأتون أحدا ً , فإن وقعت لك مسألة فأتنا وسَل عما بدالك
, ثم لا تأتني بخيلك ورجلك , فلا أنصحك ولا أنصح نفسي ,
والسلام ) .
وصَل الكتاب إلى محمد بن
سليمان , فتسرب لقلبه إخلاص حمَّاد وعزته للعلم والعلماء ,
وجاء يسعى إلى دار حمَّاد ليسمع الفتوى , وينزل بمجالس العلماء
التي تحيا بها القلوب , وينجلي صداها .
فدُق َّ الباب , فقال : يا
صبية :
......اُخرجي وانظري من في
الباب؟
قالت : ........ محمد بن
سليمان.
قال : قولي له : يدخل وحده
ليس معه أحد .
فدخل غرفة حمَّاد , وقد علت
هيبتُه هيبةَ الملك , لا يدري من أين تسربت إليه , وجلس مُحتشما
ً مُتهيبا ً , كأنما هو أمام ملك عظيم مهيب , ثم قال -وهو
يتلعثم في كلامه-:
.......مالي إذا نظرتُ إليكَ
امتلأتُ منك رُعبا ً ؟
فقال حمَّاد :
( إذا أراد العالم بعلمه
وجه الله هابه كل شيء , و إن أراد بعلمه الكنوز هاب من كل شيء)
.
فسكت محمد بن سليمان , وقال
في نفسه : صدق والله , إنَّ عظمة العلم مع الإخلاص فوق عظمة
المُلك , و إنَّ هيبة العلماء لا تكون إلا أن يقصدوا بعلمهم وجه
الله , فإن قصدوا في علمهم الكنوز والدنيا أذهب الله هيبتهم من
قلوب العباد .
ثم سأله مسألة ً فأفتى له
بها , وقام ابن سليمان وعرض عليه مالا ً , وظن أنه يقبله لما
به من فقر مدقع (3) وعَوَز , ولكن حمّادا ً ردَّه , ولم يقبل منه
شيئا ً,و آثر دينه على دنياه .
أقولُ : (هكذا كان العلماء
في الصّدر الأول , يقنعون بالقلة والفقر , فلا يأتون الأمراء
إلا لحاجة الأمة , لأنهم قصدوا بعلمهم وجه الله , ونبذوا الجاه
والدنيا وراءهم ظِهريا ً, فوقفت بأبوابهم الملوك والأمراء ,
وكساهمُ اللهُ هيبة ً فوق هيبةِ الملك والسلطان .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- حماد بن سلمة بن دينار
البصري الربعي بالولاء , أبو سلمة , مفتي البصرة و أحد رجال
الحديث , كان حافظا ً ثقة مأمونا ً , وكان إماما ً فقيها ً
فصيحا ً , شديدا ً على المبتدعة , وله تصانيف توفي سنة 167هـ .
2- محمد بن سليمان بن علي
بن عبد الله بن عباس العباسي أبو عبد الله أمير البصرة , وليها
أيام المهدي , وعزل , وأعاده الرشيد , وزوّجه أخته العباسة
ابنة المهدي , وكان غنيا ً نبيلا ً ولد سنة 122 هـ وتوفي سنة
173 هـ . الأعلام
3- المُدقع : الفقير الذي
قد لصق بالتراب من الفقر , وفقر مدقع : أي ملصق بالدقعاء ,
يعني التراب , اهـ لسان العرب .
*- من رشحات الخلود / 7