مقالات


محاضرة تحت عنوان
الإرهاب
(مفهومه - مخاطره - سبل مكافحته - موقف الإسلام منه)

بقلم:  الدكتور عبد الفتاح البزم _مفتي دمشق

ألقيت في المؤتمر الدولي

(الإسلام سينتصر على الإرهاب)

روسيا ـ موسكو  3 ـ 4 / يوليو / 2008م .

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

وبعد:

السيد رئيس الجلسة

أيها السادة والسيدات

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

وبعد: لقد كثر في العقود الماضية، وعلى وجه الخصوص في السنوات الأخيرة، ولا سيما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م استخدام كلمة الإرهاب في مختلف الكتابات والأحاديث والخطب، وفي كثير من الاجتماعات والندوات والمؤتمرات، وتنديد الكتّاب والباحثين، وزعماء الدول وقادتها بالإرهاب والإرهابيين. ولقد وُصِفَتْ جماعاتٌ هنا وجماعات هناك بأنها إرهابية، وأُسقط من حسابات الكثيرين إرهاب الدولة، الذي جاء في مقترحات تعريف الإرهاب من خلال الأمم المتحدة التي سأذكرها في سياق التعريفات للإرهاب في قاموس العلوم الاجتماعية، وفي جامعة الدول العربية، وفي الأمم المتحدة، وقبل ذلك أقول: إن الإرهاب يعد من الظواهر الاجتماعية التي نشأت وترعرعت في ظل عوامل نفسية واجتماعية خاصة، وتحت ظروف سياسية واقتصادية وثقافية معينة، وتشترك جميع هذه العوامل والظروف بشكل أو بآخر في إفراز ظاهرة الإرهاب في الواقع المؤلم الذي تعيشه المجتمعات الإنسانية اليوم ومن ثم فإن أية معالجة جادة لهذه الظاهرة تتطلب إصلاحاً حقيقياً في جملة العوامل والظروف التي تساعد على وجود هذه الظاهرة ونموها.

ومن هنا كان من الضروري وجود تعريف واضح للإرهاب ليتم التفريق بين الإرهاب والدفاع عن الحق والدين والوطن والنفس، وقد ورد للإرهاب تعريفات كثيرة لم يعتمد المجتمع الدولي واحدة بعينها منها:

● ما جاء في قاموس العلوم الاجتماعية: تشير كلمة الإرهاب إلى نوع خاص من الاستبداد غير المقيد بقانون أو قاعدة، ولا يعير اهتماماً بمسألة أمن ضحاياه. وهو يوجه ضرباته إلى أهدافه المقصودة بهدف إيجاد جو من الرعب والخوف.

● تعريف جامعة الدول العربية: إن الاتفاق بين المختصين على تعريف موحد للإرهاب فيه صعوبة بالغة، وهذا قد يكون بداية الاتجاه السليم نحو تعريف يحظى بالقبول، ومن ذلك منحى جامعة الدول حيث اجتمعت على تعريف موحد للإرهاب، جاء ذلك في الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب، حيث حددت تعريفاً ينص على أن الإرهاب: كل فعل من أفعال العنف أو التهديد به أياً كانت بواعثه أو أغراضه، يقع تنفيذاً لمشروع إجرامي فردي أو جماعي، ويهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس، أو ترويعهم بإيذائهم، أو تعريض حياتهم أو حريتهم أو أمنهم إلى الخطر.

● الأمم المتحدة وتعريف الإرهاب:

واجهت اللجنة الخاصة بالإرهاب المنبثقة عن الأمم المتحدة خلافات جوهرية وعميقة فيما يتعلق بمحاولة الاتفاق على تعريف محدد ومقبول من سائر وفود مختلف دول العالم، وقد تقدمت وفود بعض الدول المشاركة في اللجنة بتعريف للإرهاب، ومن أبرز المقترحات تلك التي ذكرت أن الأفعال التالية تدخل في سياق أفعال الإرهاب الدولي:

1. أعمال العنف والقمع التي تمارسها الأنظمة الاستعمارية والعنصرية أو الأجنبية ضد الشعوب التي تناضل من أجل التحرر والحصول على حقها المشروع في تقرير المصير والاستقلال، ومن أجل حقوق الإنسان وحرياته الأساسية.

2. قيام بعض الدول بمساعدة التنظيمات التي تمارس أعمالها الإرهابية ضد دول أخرى ذات سيادة.

3. أعمال العنف التي يرتكبها أفراد أو مجموعات، والتي من شأنها أن تعرض للخطر حياة الأبرياء، أو تنتهك الحريات الإنسانية دون الإخلال بالحقوق غير القابلة للتنازل عنها: كالحق في تقرير المصير، والاستقلال لكل الشعوب الخاضعة لسيطرة الأنظمة الاستعمارية، والعنصرية، أو أي أشكال أخرى من السيطرة الأجنبية، أو الحق المشروع في الكفاح.

أما ما جاء من تعريف الإرهاب بالمفهوم الإسلامي.

فقد أكد المجمع الفقهي الإسلامي في اجتماعه الذي عُقِدَ في 26 شوال 1422هـ (الموافق 10 يناير 2002م) في رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة في دورته السادسة عشرة: أن التطرف والعنف والإرهاب ليس من الإسلام في شيء، وأنها أعمال خطيرة لها آثار فاحشة، وفيها اعتداء على الإنسان وظلم له، ومن تأمل مصدري الشريعة الإسلامية، كتابَ الله الكريم وسنةَ نبيه صلى الله عليه وسلم، فلن يجد فيها شيئاً من معاني التطرف والعنف والإرهاب، الذي يعني الاعتداء على الآخرين دون وجه حق.

وفي البيان الذي أصدره المجمع في ختام هذه الدورة، تم تعريف الإرهاب بأنه: ظاهرة عالمية، لا ينسب لدين، ولا يختص بقوم، وهو ناتج عن التطرف الذي لا يكاد يخلو منه مجتمع من المجتمعات المعاصرة.. وهو العدوان الذي يمارسه أفراد أو مجتمعات أو دول بغيًا على الإنسان (دينه ودمه وعقله وماله وعرضه) ويشمل صنوف التخويف والأذى، والتهديد والقتل بغير حق، وإخافة ابن السبيل، وقطع الطريق، وكل فعل من أفعال العنف أو التهديد، يقع تنفيذاً لمشروع إجرامي فردي أو جماعي، ويهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس، أو ترويعهم بإيذائهم، أو تعريض حياتهم أو حريتهم أو أمنهم أو أحوالهم للخطر، كما يشمل صنوف إلحاق الضرر بالبيئة، أو بأحد المرافق والأملاك العامة أو الخاصة، أو تعريض أحد الموارد الوطنية أو الطبيعية للخطر.

ودعُونا نسلط الضوء على المبادئ الإسلامية في مواجهة الإرهاب بعد هذه التعاريف؛ لننظر بعين بصيرة إلى المبادئ الإسلامية في مواجهة الإرهاب.

● الشريعة الإسلامية شريعة سمحة قامت على التسامح ونشر العدل، وتحرير الخلق من عبودية الخلق إلى عبودية الخالق، قال عليه الصلاة والسلام: "بعثت بالحنفية السمحة".

● ولقد اهتم الإسلام بالمعاهدات والمواثيق اهتماماً كبيراً، وإن هذا الاهتمام يعتبر من الدلائل على رفض الشريعة للعنف والإرهاب. قال تعالى ﴿ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (التوبة:4)

● يقر الإسلام حرمة الدم الإنساني قال تعالى ﴿ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً ﴾(المائدة:32)

● ولقد حض الإسلام على العمل لإيجاد مجتمع تسوده المحبة، وتزول فيه جميع الفوارق، وتنعدم فيه مختلف دواعي العنف والتخريب، يقول تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً ﴾ (النساء:1) ويقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ (الحجرات:13) وفي هذا خطاب من الله تعالى إلى بني الإنسان وبيان منه جل وعلا على وحدة الجنس البشري على اختلاف شعوبه وقبائله وأن على الناس أن يتعارفوا لا أن يتناكروا ويختلفوا ويقتتلوا ثم جعل سباق المفاضلة بين بني البشر بالتقوى والعمل الصالح الذي يرجع على المجتمع الإنساني كله بالخير واليمن والبركة.

● كما حض على الرحمة حين وصف رسولَ الإسلام صلى الله عليه وسلم بقوله: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ (الأنبياء:107) وحين أمر نبي الرحمة بالتراحم فقال: "ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء"، وقال: "من لم يرحم لا يرحم".

● إن الإسلام ومن خلال أهدافه ومبادئه وقيمه يسعى لتحقيق الأمن والاستقرار والمحافظة على النظام، وذلك بتطبيق الحدود الشرعية، بحيث لم يترك الإسلام أي ثغرة ينفذ من خلالها الإرهابيون والمخربون لتنفيذ أعمالهم وتحقيق مآربهم.

وانطلاقاً من هذا البيان المستعجل أنتقل إلى سبل القضاء على الإرهاب وسبل مكافحته، ويكمن ذلك في علاج أسباب الإرهاب بأسلوب علمي منهجي يدخل في نطاقه معالجة المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وبقدر ما يتحقق علاج تلك الأسباب، نستطيع أن نقضي على الإرهاب الذي كان وليد تلك المشكلات.

معالجة المشكلات السياسية وذلك بـ:

  • تحديد واجبات وحقوق الراعي والرعية، وتفهم الشعوب لمفهوم ولاية الأمر.

  • نزاهة القضاء، ودعم المحاكم للبت في مثل هذه القضايا.

  • اعتماد الحوار كأسلوب من أساليب المعالجة.

  • الحرص على استخدام أسلوب التفاوض لحل المشكلات بين الدول، أو اللجوء إلى الهيئات والمنظمات الدولية لحل تلك المشكلات والنزاعات بدلاً من استخدام القوة.

  • تنفيذ القرارات الصادرة عن المنظمات الدولية واحترامها.

  • احترام سيادة الدول, وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.

  • التزام الدول بالوعود التي تقطعها على نفسها أمام الشعوب.

معالجة المشكلات الاقتصادية وذلك بـ:

  • التخطيط الاقتصادي الفعّال لحل المشكلات الاقتصادية.

  • الانفتاح الاقتصادي, واستخدام التقنية الحديثة لتوفير الجهد والوقت والمال.

  • ترشيد الاستهلاك, وخفض الإنفاق على الأسلحة، وتحويلها إلى المشاريع الإنمائية، وتنمية الموارد الاقتصادية.

  • استصلاح الأراضي الزراعية لمواجهة النقص الغذائي.

معالجة المشكلات الاجتماعية:

التعليم:

  • العمل على نشر التعليم، والعمل على تخفيض نسبة الأمية بأقصى سرعة ممكنة.

  • تحسين نوعية التعليم, وتوجيهه إلى الاحتياجات الأساسية والملحة للمجتمع.

  • توجيه الشباب نحو التدريب المهني والتقني والبحث العلمي.

الصحة:

التركيز المستمر على الجوانب الصحية لأفراد المجتمع، وإيجاد الكوادر الطبية المؤهلة.

وهناك بعض الأمور التي يتعين معالجتها على وجه التحديد؛ لتحجيم ظاهرة الإرهاب والتطرف، منها:

  • تعليم الناس العلم الشرعي الصحيح، الذي يكفل معرفة ما للمرء وما عليه؛ ليؤدي ما عليه بالمعروف، ويطالب بما له بالإحسان، وبذلك يسود الوئام في ظل العدل والإنصاف، وغياب الظلم والبغي، قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل:90).

  • إسهام العلماء في بيان الحق، والدعوة إلى الله على بصيرة.

  • تحسين الاقتصاد، وتوفير الحياة الكريمة للمجتمعات.

  • الاهتمام بحقوق الإنسان في إطار الثوابت والقيم الأصيلة التي أودعها الله في مضامين الرسالات السماوية التي أنزلها على الرسل صلوات الله عليهم، وختمها برسالة محمد صلى الله عليه وسلم.

  • المشاركة في صنع القرار وعدم التفرد الذي يؤدي بالمصالح العامة إلى الهلاك.

والحق أن التصدي لظاهرة الإرهاب في العالم يتطلب:

  • تتبع جذور مشكلة الإرهاب في المجتمعات، وتسخير المعرفة الإنسانية لمكافحتها.

  • إيضاح الصلة بين جرائم الإرهاب وغيرها من المشكلات الأخرى.

  • الاهتمام بالمنهج العلمي في مواجهة المشكلات، والنظر في حلولها في إطار سياسات واستراتيجيات الدول وليس في إطار الأجهزة الأمنية فقط.

  • إصلاح الأخطاء بمنظور يقوم على الحزم والعدل والحكمة مع المكاشفة لمختلف الجوانب الإرهابية.

  • الاهتمام بالأمن الفكري.

  • تطبيق الاتفاقيات والاستراتيجيات الخاصة بمكافحة الإرهاب.

  • حماية حقوق وكرامة الإنسان في إطار الثوابت والقيم التي أنزلها الله وجعلها سبباً للحياة الطيبة الكريمة، قال تعالى : ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً (النحل:97) والسعي لتوضيح ذلك للغرب لإدراك حقوق الإنسان في الإسلام، ويقع على المسلمين واجب القيام بعرض تلك القيم والحقوق للآخرين.

وأخيراً أرجو الله لهذا المؤتمر وأمثاله أن يخرج من حيز المحاضرات في القاعات المغلقة إلى أرض الواقع، وأن تتعاون المؤسسات والمجتمعات الإنسانية جميعاً، بل والدول على اختلاف مواقعها وأحجامها على نفي الظلم، ونشر العدل والسلام بين شعوب الأرض قاطبة، من خلال الدستور الإلهي الذي ارتضاه الله لجميع عباده، القائم على العدل والحق والإنصاف، والذي حضت عليه الرسالات السماوية جميعها، وختمها الله برسالة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم فكان من أواخر ما أنزل الله عليه قوله: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً ﴾ (المائدة: الآية3)

والله ولي التوفيق