| |
النظافة والطهارة
|
 |
| |
بقلم الأستاذ : المعتصم بالله البزم |
|
|
حرص الإسلام على
سلامة عقيدة المسلم وصفاء نفسه ومتانة خلقه واستقامة سلوكه
ونظافة ماله, وكذلك حرص الإسلام على نظافته في كل زمان ومكان .
ولا يستطيع الباحث في موضوع النظافة في هدي الإسلام أن يتم
بحثه دون أن يدرس النصوص المتعلقة بالطهارة الشرعية المشروطة
لأداء الصلاة وبعض العبادات الأخرى , لأن معظم هذه النصوص يؤدي
تطبيقها إلى النظافة بل إلى أعلى مراتبها , فالطهارة الشرعية
تجعل المرء متحلياً بالنظافة والطهارة الطيبة التي تسلك بالمسلم
الملتزم سبيل الوقاية من الأمراض السارية .
1 ـ نظافة الجسد :
يبدأ التزام المسلم بالنظافة والطهارة عندما يلتزم بالصلوات
المفروضة لتحقيق أحد أركان الإسلام وإعلاء عماده , فيقدم لها
طهارة جسمه من النجاسات ومن الأحداث , كما يلبس لصلاته الثوب
الطاهر أيضا ً, ويتحرز في حياته اليومية من النجاسات أن تصيب
جسمه أو ثوبه أو مكان صلاته ليسهل عليه القيام بها في أوقاتها
الخمسة . ثم يتسع التزام المسلم بالنظافة عندما يطبق الأوامر
والوصايا الإسلامية التي تؤول إلى زيادة نظافته في الجسم
والثوب والسكن والطريق . وإذا انحرف البعض من المسلمين عن
تعاليمه فالعيب فيهم , ويبقى الإسلام ساميا ً بتعاليمه صالحا ً
للتطبيق وإعطاء المردود الحسن الجميل في كل العصور , لأنه لا
يصلح زمان ولا مكان إلا بالإسلام الذي أنزله الله لعباده .
لقد جعل الإسلام الغسل وسيلة للنظافة العامة التي منه الفرض
ومنه المسنون , فمن ذلك الغسل للجمعة عملا بما روى البخاري
ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما , أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال : " إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل " وبما روى مسلم
وأبو داود والترمذي عنه صلى الله عليه وسلم : " من توضأ يوم
الجمعة فبها ونعمت , ومن اغتسل فالغسل أفضل " ومن ذلك الغسل
لصلاة العيدين وليوم عرفة . لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم
كان يغتسل يوم الفطر والأضحى وعرفة فما من تجمع للمسلمين إلا
ودعا الإسلام إلى الغسل , وجعل الإسلام الوضوء نظافة إلزامية
لأكثر الأعضاء تعرضاً للغبار وأوساخ العمل فقال الله سبحانه في
كتابه العزيز : ( يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة
فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم
إلى الكعبين وإن كنتم جنباً فاطّهروا ... ) سورة المائدة / 6 /
وقال عليه الصلاة والسلام فيما أخرجه البخاري و مسلم : " لا
يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ " فالصلاة والعبادات
التي اشتُرِط لأدائها الطهارة من الحدث وإن تعددت , وكذلكم وإن
تعددت نواقض الوضوء من أجل إكثار المسلم منه فهذا يعني إلزام
المسلم دائما ً بمبادئ النظافة . لأن النظافة من الإيمان وهذا
ما قاله سيدنا ابن مسعود : " تخللوا فإنه نظافة , والنظافة
تدعو إلى الإيمان , والإيمان مع صاحبه في الجنة " رواه
الطبراني في الكبير بإسناد حسن ـ وتخللوا معناها : تخليل
الأصابع في الوضوء ـ ومن كمال حرص الإسلام على نظافة ظاهر
الإنسان أن جعل من تعاليمه إزالة ما يساعد على تراكم الأقذار
وتجمع الجراثيم أو على زيادة التخمرات الناشرة للروائح
المستكرهة , فأوصى بتقليم الأظافر والختان وحلق شعر العانة وقص
الشارب ونتف الإبط قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خمس
من الفطرة الاستحداد , والختان , وقص الشارب , ونتف الإبط ,
وتقليم الأظافر " أخرجه أحمد والبخاري ومسلم والترمذي ـ
والاستحداد معناه : حلق العانة ـ .
نعم لقد دعا الإسلام إلى نظافة اليدين لأنهما أكثر أعضاء البدن
الظاهرة تعرضاً للتلوث والتقذر , وإن إهمال نظافتهما وطهارتهما
يسبب سريان الأقذار والجراثيم منهما إلى أماكن أخرى من الجسم
فتمرضه وتعطل صاحبه عن العمل , إضافة إلى الضرر المادي
والمعنوي الذي يصيبه وأسرته , وإضافة إلى تضرر اقتصاديات الأمة
بكثرة المرضى , فمن هذا المبدأ جاء الإسلام بالدعوة إلى غسل
اليدين عند الاستيقاظ من النوم فعن سيدنا أبي هريرة رضي الله
عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا استيقظ
أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا ً ,
فإنه لا يدري أين باتت يده " رواه البخاري ومسلم , وكذلكم دعا
الإسلام لغسل اليدين قبل تناول الطعام وبعده فقال صلى الله
عليه وسلم فيما رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي " بركة
الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده " والمراد هنا بالوضوء :
الوضوء اللغوي أي غسل اليدين إلى الرسغين , وكذلكم جاء بنظافة
الفم فقد أخرج النسائي وابن حبان في صحيحه عن عائشة رضي الله
عنها قالت : قال رسول الله عليها الصلاة والسلام " السواك
مطهرة للفم مرضاة للرب " . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
: " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة " رواه
الإمام مسلم . كما أنه كان النبي صلى الله عليه وسلم " إذا قام
من الليل يشوص فاه بالسواك " أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما
ومعنى يشوص : التسوُّك بالسواك .
وحث على نظافة الأنف روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله
عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا استيقظ
أحدكم من نومه فليستنثر ثلاث مرات , فإن الشيطان يبيت على
خياشيمه " وروى مسلم أيضاً عن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه
قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا توضأ أحدكم
فليستنشق بمنخريه من الماء ثم لينتثر " . كما دعا الإسلام إلى
نظافة الشعر , لأن الشعر قلما يبقى طبيعيا بغير عناية خاصة , من
نظافة وترجيل أو تمشيط ولقد جمع هذا كله قول نبينا صلى الله
عليه وسلم فيما أخرجه أبو داود عن أبي هريرة قال : قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم : " من كان له شعر فليكرمه " . وروى
مالك عن عطاء بن يسار رحمه الله تعالى قال :كان رسول الله صلى
الله عليه وسلم في المسجد فدخل رجل ثائر الرأس واللحية فأشار
إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن اخرج كأنه يعني إصلاح
شعر رأسه ولحيته , ففعل ثم رجع , فقال صلى الله عليه وسلم : "
أليس هذا خيراً من أن يأتي أحدكم ثائر الرأس كأنه شيطان " .
2. نظافة الثياب :
من نعم الله تعالى على الإنسان أن خلق له ما يصنع منه ثيابه
فيستر عورته ويجمّل مظهره , ويتقي به الحر والبرد , ويخفف عنه
وطأة الرياح والغبار , قال تعالى : ( يا بني آدم قد أنزلنا
عليكم لباساً يُواري سواتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خيرٌ ذلك
من آيات الله لعلهم يذكرون ) سورة الأعراف / 26 / .
ولا يكمل جمال الظاهر بغير نظافة , ولا يكمل صفاء الباطن وحسن
المعاملة بغير تقوى ولطاف .
إن النظافة تزيد من حسن الثوب ورونقه , ولو كان متخذاً من نسيج
رخيص , ولا حسن ولا بهجة لثوب قذر ولو كان من أفخر المنسوجات .
فعلى المسلم أن يعتني بنظافة ثوبه وحسن هندامه , كما يعتني
بنظافة جسمه وحسن خلقه . فقد رأى رسول الله رجلا ً وعليه ثياب
وسخة فقال : " أما كان هذا يجد ما يغسل به ثوبه " رواه أبو
داود وابن حبان والحاكم , فالمسلم يلبس الثوب النظيف ويتخده من
نوع يتلاءم مع إمكانياته وسعته , ولا يجوز له أن يتخذ من ثيابه
مجالاً للخيلاء والكبر , فقد أخرج مسلم عن ابن مسعود رضي الله
عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يدخل الجنة
من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر , فقال رجل : إن الرجل يحب أن
يكون ثوبه حسناً , فقال : " إن الله جميل يحب الجمال , الكِبر
بطر الحق وغَمْط الناس " .
فليس من الزهد إهمال نظافة الثياب كما يظنه بعض العامة , لأنه
لو حققوا لوجدوا نظافة الظاهر تعين على نظافة الباطن , فقد ورد
أن المصطفى صلى الله عليه وسلم لم يتسخ له ثوب, وأليس هو الذي
أمره ربه في كتابه العزيز في سورة المدثر : ( يا أيها المدثر
قم فأنذرو ربك فكبر وثيابك فطهر ) .
فالإسلام رَغِبَ من المسلم أن يكون ثوبه نظيف , والنبي صلى
الله عليه وسلم أوصى صحابته رضوان الله عليهم أجمعين وهم في
بيئة حارة بالثياب البيض . لأن اللون الأبيض أقل الألوان
اكتنازاً للحرارة . ولأن الوسخ والنجاسة يظهران عليها بجلاء ,
وذلك مدعاة للإسراع في تنظيفها وتطهيرها وعدم إهمالها , قال
عليه الصلاة والسلام : " عليكم بثياب البياض فالبسوها فإنها
أطهر وأطيب ... " رواه الإمام أحمد وأهل السنن بإسناد جيد .
3 . نظافة المسكن :
إن النفس لتنشرح للمكان النظيف وتنقبض لمنظر القذارة , وإن
قذارة المكان قد تصيب ثياب الإنسان المجاور أو بدنه فتلحق به
وساخة أو جراثيم تكون سببا ً في عدوى بالأمراض السارية .
وليتذكر المسلم أن طهارة مكان الصلاة شرط في صحة صلاته فربنا
هو القائل : ( وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي
للطائفين والعاكفين والركع السجود ) سورة البقرة / 125 / وهذا
التطهير يشمل الطهارة من الأنجاس والأقذار ومن مظاهر الشرك ,
وإن بيت المسلم لا يخلو من الصلاة فيه أداء لفريضة أو تنفلا ً
أو تهجدا ً فلذا لا بد إلا وأن يحافظ على طهارة مسكنه .
وسنرى أن الإسلام اهتم بنظافة الطريق فكيف بنظافة المسكن , فقد
روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن الله طيب
يحب الطيب , نظيف يحب النظافة , كريم يحب الكرم , جواد يحب
الجود , فنظفوا أفنيتكم " رواه الترمذي وهو حديث ضعيف .
ومن تمام نظافة المسكن ومكان العمل , العناية بنظافة دورات
المياه ومكان الاستحمام فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم
أن يبول الإنسان في مكان الاستحمام صوناً له عن النجاسة وبعداً
عن تردد الوسواس ببقاء النجاسة فقال عليه الصلاة والسلام : "
لا يبولن أحدكم في مستحمه فإن عامة الوسواس منه " رواه الترمذي
وأبو داود .
ويلزم أن تجمع أقذار المسكن في مكان منزو منه في سطل أو صندوق
محكم الإغلاق يحوي كيسا من النايلون .
وينبغي ألا تترك الأقذار في البيت طويلاً , وعلى الفرع المتخصص
في دائرة البلدية تعهد نقلها بالطرق الصحيحة بما أمكن من
السرعة .
4 . نظافة الطرق :
إن نظافة الطرق أبهج لنفوس السالكين وأنقى للنسيم وأبعد عن أذى
العاثرين ووسيلة هامة للحد من تكاثر الذباب ونقله للجراثيم ,
وما أقبح عادة من يرمي الأقذار في الشارع فتنتشر فيه وتسيء إلى
منظره وهوائه وإلى الصحة العامة , فمن فعل ذلك فقد أذى نفسه
ومجتمعه ولوث سمعة بلده ووقع في الإثم .
إن إماطة الأذى عن الطريق شعبة من شعب الإيمان وإن لفاعلها
ثوابا عند الله تعالى . فقد روى مسلم عن سيدنا أبي هريرة رضي
الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الإيمان
بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة , فأفضلها قول لا إله إلا الله ,
وأدناها إماطة الأذى عن الطريق , والحياء شعبة من الإيمان " .
وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال :" بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوكٍ على
الطريق فأخّره , فشكر الله له فغفر له " . وروى أيضا عنه رضي
الله عنه , عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لقد رأيت رجلا
يتقّلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي الناس
" . وروى مسلم أيضاً عن أبي برزة رضي الله عنه قال : قلت يا
نبي الله علمني شيئاً أنتفع به . قال " اعزل الأذى عن طريق
المسلمين " .
فإماطة الأذى عن الطريق من محاسن الأعمال ذلك لأنه عمل خيري
مقدم إلى أناس مجهولين لا يعلمهم فاعل ذلك الخير , وهو على ذلك
لا يبتغي على هذا الأمر من أحد شكراً وإنما يحتسب عمله عند
الله تبارك وتعالى , وكل عمل خيري يقدم على هذا النحو فإن أجره
كبيرٍ روى الإمام مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه , عن النبي صلى
الله عليه وسلم قال : " عرضت علي أعمال أمتي حسنها وسيئها ,
فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق , ووجدت في مساوئ
أعمالها النخاعة تكون في المسجد لا تدفن " .
فمن لم يجد مالاً يتصدق به فلينح الأذى عن طريق المسلمين فإن
ذلك صدقة أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كل سلامي من الناس عليه
صدقة , كل يوم تطلع فيه الشمس ... " الحديث وفيه " وتميط الأذى
عن الطريق صدقة " .
فلنكن من الذين يميطون الأذى عن الطريق , لا من الذين يتسببون
في اتساخ الطريق وأذى المارة فالتسبب في ذلك سيئة فقد قال رسولنا
عليه الصلاة والسلام " اتقوا اللاعنين , قيل : وما اللاعنان ؟
قال : الذي يتخلى في طريق الناس أو ظلهم " رواه مسلم وأبو داود
.
فعلى الناس كافة أن يسهموا في نظافة بلدهم , فلا يلقوا الأوساخ
من النوافذ والشرف , بل يضعوها في أماكنها وأوقاتها المخصصة
قبل جولة عمال التنظيفات , في أكياسها المحكمة ,ونأمل من عمال
النظافة جزاهم الله خيراً وضاعف حسناتهم أن ينشطوا في إماطة
الأوساخ والأذى عن الطريق , ومن الواجب على الدولة أن تنتشر
الوعي عند أفراد المجتمع فالمسلم الحق يعلم أن الله سبحانه
وتعالى يراقبه في كل أعماله فالمؤمن من خلال وازعه الديني يفعل
الأعمال الصالحة ويبتعد عن الأعمال الطالحة وعلى الدولة أن
تنقل الأقذار في صناديق محكمة الإغلاق , حتى لا تتناثر في
الطريق أو تفسد الهواء برائحتها المستكرهة , وأن يكون النقل في
الأوقات التي تكون الطرق و الشوارع غير مزدحمة بالمارة .
فإسلامنا دين طهارة ونظافة وعبادة ولطافة , دين محبة وأنس ٍ
وسعادة , والنظافة جمال وكمال , والطهارة ركن وقائي من الأمراض
السارية , فلنتحل بهما ولنرب أولادنا عليهما ولنساهم في نشرهما
في المجتمع وربوع الوطن ليرضى ربنا عنا ونبلغ المظهر اللائق
بنا فنحن أمة العرب والإسلام ينبغي أن تكون شوارعنا نظيفة
لأننا أصحاب حضارة ودين ورقي ٍ .
المراجع :
1 . الطب النبوي والعلم الحديث . للدكتور محمود ناظم النسيمي
2 . شعب الإيمان للشيخ أسعد محمد سعيد الصاغرجي
3 , مراقي الفلاح للعلامة حسن بن عمار الشرنبلالي
4 . الموسوعة الفقهية لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ـ
الكويت |