مقالات


   مكانة اللغة العربية بين اللغات الحيّة
       
بقلم:  الدكتور أيمن الشوا
 

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الحمد لله الذي هيّأ للّغة العربيّة عباداً عاملين ، رزقَهم الإخلاصَ فقاموا عليها رُعاةً و حَفظةً ، يُفنون لهـا الأعمارَ و يملؤون بها الأسفارَ ...

أمّـا بعد :

فإنّه لا يسعُ المرء الكريم في هذا اللقاء العامر الطيّب إلا أنْ يشكرَ للقائمين عليه جهودَهم و سعيَهم في سبيل تقديم النّفع و الخير لهذه اللغة و لأمّتنا التي تُمجّدُ هذه اللّغة .

 لـو قُدِّرَ لمثل هذه المحاضرة أن تُلـقَى في بلدٍ أجنبيٍّ ( فرنسا /إنجلترا/ الصّين/اليابان ...) و موضوعُها : ضرورةُ تحدّثِ المدرّسين باللغة العربيّة الفصيحة ، لعدّوها نافلةً مـن النّوافل ، و لم يعبؤوا بهـا و عندنا هي الآن ضرورة ...لِمَ يا تُرى ؟ لِمَ أيّها الأكارم ؟!

كلُّ أمّةٍ من الأمم تُمَجِّدُ لغتَها و تعتني بها و تُقَدّسُها أيَّما تقديس ، و الأمثلةُ على ذلك كثيرةٌ . . .

ـ الصّين : الشّعبُ الصيني يحترمُ لغته و يعتزّ بهـا ، لحكيم الصّين (كونفوشيوس)(1) كلمةٌ مشهورةٌ حولَ لغتِه ـ و هذا الكلام لغـتُنا أحوجُ إليه مِنَ اللغة الصّينيّة ـ يقول : لو قُدِّرَ لي حُكْمُ البلاد لبدأتُ بإصلاح اللغة

لم يُوَلِّ أهميّةً نحوَ اقتصادٍ أو اجتماعٍ أو سياسة ، و إنما وجّه هذه الأهميّة نحو اللغة ، لماذا ؟ لأنها عِمَادُ الأمّة !

ـ فـي فرنسا : يحترمون تلك اللغة و يعتزّون بها و لا يسمحون بالتعدد اللغوي ، يَفرِضون الغَرَامَاتِ الباهظة على مَن يضعُ لافتةً أو دعايةً باللغة المحليّة ، و لا يسمحون في دوائرهم باللغة المحليّة المحكية أو العاميّة !

ـ فـي إنجلترا : لا تَخفى عليكم الأهمية الكُبرى التي يوليها الإنجليز للغتهم ، ألا يحـاولون أن تُهيمنَ على العالم و تُسيطرَ عليه ؟ ألا يَعرِضون قواعدَهم بشتّى الوسائل و الأساليب ؟ و كلّ هذه اللغات ليست لغةَ الدّين ...

إذا كـان تعريف اللغة إنما هي أداةٌ و وسيلةٌ للتفاهم و التواصل فيما بين الناس ، فإنّ اللغة العربية لها وظيفةٌ أعلى و أسمى ، إنها لغةُ البيان القرآني ..

لذلك لا نجدُ هذه المحاضرة ـ لو قُدِّرَ لها أن تُلقى في تلك البلاد ـ أن تكونَ من الضروريات عندهم ؛ لأنّ كلّ واحدٍ منهم صاحـبُ غَيْرةٍ و صاحبُ اعتزازٍ و قُدسية لتلك اللغة ، لقد عَلِموا أنّ عِزَّهم بلغتِهم ، كما عَلِم الشاعرُ العربيّ القديم أنّ عِزَّه و فخرَه بلغته ...

قال حافظ إبراهيم : الطويل

أرى لـرجالِ الغربِ عِـزّاً وَ مَـنعةً وَ كم عزَّ أقـوامٌ بعِـزِّ لـغاتِ(2)

كلُّنا يقرأُ : { إِنَّـآ أَنزَلْنَـه قُـرءَانـاً عَربِيًّـا لَّعَلَّـكُم تَعقِلُونَ } ]يوسف [ 2 /

و لو استَقْرَأْنا البيانَ القرآني لوجدنا فيه إحدى عَشْرةَ آيةً تنصُّ على صفة العروبة(3) ، لو لم نجد إلا آيةً واحدةً تنصُّ على صفة العروبة ألا تكفي هذه الآية لتكونَ حافزاً لنا و تدفع فينا الحميّةَ والحماسَ للارتباط بهذه اللغة ؟

ما رأيكم أيّها الأكارم ؟ هذه اللغة التي أضعناها و وضعناها وراءَ ظهورِنا !

يقولُ أحـدُ الغَيورين علـى هـذه اللغـة : إنّ اللغـةَ العربيةَ لغـةُ قرآننا الكريـم و ذاكرةُ أمّتِنا و مستودعُ تراثِها ، و هي الرابطة التي جمعت و تجمع بين أبناء الأمّة فكراً و نزوعَاً و أداءً ، آلاماً و آمالاً ، تاريخاً وحاضراً

و مستقبلاً إنها رمزٌ لِكِـياننا و ثقافـتنا.

لقد تطلعَ أصحابُ الغَيْرة على هذه اللغة إلى ما آلَ إليه أمرُها في شتّى المجالات ، فسعَوا إلى تعديلها و الاهتمام بها و رعايتِها حقَّ الرعاية مِن خلال بعضِ التوجيهات المهمّة ، آخرُها : القرارُ الجمهوري ذو الرقم 4 بتاريخ : 26\1\2007 بتكوينِ لجنةٍ للتمكين باللغة العربية و المحافظةِ عليها و الاهتمامِ باتقانها و الارتقاءِ بهـا مِـنْ خلالهـا و وَضْعِ خطةٍ منهجيةٍ مُحْكَمَة أبانت من خلالِها أنّ أمرَ اللغة لا يقتصِرُ في الدفاع عنه جهةٌ مستقلّةٌ كمَجْمَع اللغة العربية أو قِسم اللغة العربية ، و إنمـا لابدَّ مِن تضافرِ الجهود

كلٌّ يجودُ بما يسعى ..

و لمّا كان للمعلمين دورُهم الفعّال في الارتقاء باللغة و إكسابِ الناشئة مهاراتِها كان حريّاً بنا أن نوجّه الأضواءَ نحـو ضرورةِ تحدّثِ مدرسي الطلبة باللغة العربية الفصيحة السليمة المُبِـيْـنَة ، و إرشادِهم إلـى الاهتمام الكافي و العنايةِ التامّة بها و التوَجّهِ إلى مواقع الفصاحةِ و الصواب ، و صرفـِهم عن مظانّ الغلطِ و وجوهِ الركاكة .

أيّها الأكارم : إنّني لأشعرُ بأنّي واحدٌ من المهتمين الغَيُورِين على هذه اللغة سواءٌ في وزارة التربية أو في وزارة التعليم العالي أو في وزارة الثقافة أو في مَجمع اللغة العربية أو في قِسم اللغة العربية ، فهَمُّـنا واحدٌ ، همُّـنا جميعاً واحدٌ ، كلُّنا في الهمِّ شرطُه ..

إذن أنا منهم و أنا غَيورٌ على هذه اللغة ، فمِن نِعَمِ الله على الطلاب أَنْ يَحظَوا بالمدرّس الملتزم بالعربية الفصيحةِ الـمُبِيْـنَة ، الذي يُرَبِّيهم على السليقة العربية بالمحاكاة و المِران .

لو نظرنا إلى أساليب المدرِّسين في شتّى المجالات سنجدُ صورتين متناقضتين :

سنجدُ صورةً إيجابيّة يُمَثِّـلُها المدرِّسُ المربي ، و صورة أُخرى يُمَـثِّلُها مدرسٌ جعلَ تدريسَه صناعةً اعتيادية يقومُ بتحضيرِ الدّرس سنةَ 1970 ثم يُعيد و يُكرّر هذا الدرس في هذا العام ! و النّماذجُ مشهورةٌ في ذلك .

معلومٌ أنّ للمعلم أَثْـبَتَ تأثيرٍ في نفوسِ طلابِـه _ لاحظوا الصورة المضيئة _ لأنّـه الجليسُ الدائم و العشيرُ الملازم ، إنّه قدوتُهم في فكرِه و في علمِه و حديثِه الذي تنطبعُ حروفُه في مُخَيّلتِهم و ترتسمُ ألفاظُه على لسانهم

فإذا تكلّـم التلميذُ نطـقَ بما يتلوه المدرّس ، و إذا تناجَت خواطـرُه لم يمرَّ بها إلا ما تلقّنَ مِنْ أقوالِ مُدَرِّسِه إلى أن تنتقشَ صورةُ الدّرسِ في فِكْرِه لا تغيبُ و لا تُمحى ..

بـل تترسّخُ رسوخَ طباعِه فتستمرُّ صورةً مـن المدرّس المربّي فإذا تلقّى اللغةَ السليمة و أَلِفَها انتقلت إلى حِفظِه و فكره و صارت مَلَكَةً في طبعه و وجدانه فكان مَحَلاً للخير وقدوةً لبناءِ مجتمعٍ لُغويٍّ سليم ..

ما الصورةُ الأخرى ؟ !

إذا لم يلتزم المدرّس بالتحدث باللغة العربية الفصيحة كـان قدوةً للشّر المحض و للبلاء الفاشي ، يقذِفُ بطلابه في مهاوي الشرّ ، و يقتادُهم في شِعابِ الغَيِّ و الضّلال ، و كان كالجربِ في الأمة يُعدِي بعضُها بعضاً .

و إنّنا لنسألُ المدرّسَ الذي استعانَ بهذه اللغة و تنكّبَ جانبَ الصِّحةِ و السّداد :

أترضى لابنك أو لأخيك أن تُقَدَّمَ لـه هذه البضاعةُ الفاسِدة ؟ أترضى أن يتسلَّمَه مدرّسٌ يَعيثُ بفكره فساداً لغويّاً ؟ و يبنيه بعيداً عن صِدْقِ النيّة و إخلاصِ القصد في أسمى رسالةٍ إنسانية ؟

مـا كـان تمكينُ اللغة لـدى المدرّسين بالأمر الصّعب أو البعيد أو المرهِق ـ لـو شاؤوا الاهتمامَ والعنايةَ والغَيرة ـ إذلم يكن عليهم إلا أن يملكوا أمرين :

أحـدُهما : الغَيـرةُ على هذه اللغة ، و الثاني : عُـلُوُّ الهِمّة ، فكـلاهما أساسٌ لتحصيلِ اللغةِ السليمة حتـى تكونَ مَلَكَةً .

لدينا أمثلةٌ متعددة أصابَ أصحابُها الهدفَ فنجحوا ، مثالٌ يعرفُه الجميع منا :

ألا تعرفون مقام السيدة رُقيّة ؟ حولَه مجموعةٌ من الباعة ، أتُرى هؤلاء الباعة من مُدرّسي الجامعة و ممن أتقن اللغة الفارسية ؟! أبداً ..

أطفالٌ بُسطاء تَعلّموا اللغةَ الفارسية و أتقنوها و برعوا فيها ... لِمَ ؟ مِن أجل المصالح ..

إذن عرفوا الهدف ، و المصلحة تقتضي منهم علوَّ الهِمّة ، برعوا في إتقان اللغة الفارسية براعةً لا نظيرَ لها !

مثالٌ آخر : دليلٌ سياحي ـ لا يمتلك إلا ثقافة البكالوريا ـ تراه و قد عرف الهدف و المال الوفير من خلال عمله كدليل سياحي !

ماذا فعل ؟ أتقن الفِرنسية و أتقن الإنجليزية و أتقن الإيطالية ، و جمعَ ما جمع و قد عرف الهدف ..

أين المدرّس الذي يعرفُ أهدافَه ؟ و الذي يُحَقِقَ عُلوَّ الهمة و الغيرة و الإخلاص و الاستقامة ؟؟!

أين أيها الأكارم ؟

إنّ امتلاك اللغة الصحيحة ليس صعباً ، صحيحٌ أننا قد ابتعدنا عن البيئة اللغوية السليمة و عن جوّ السليقة

و البيان العذب الذي نشأ فيه العرب ، فتكلموا لغةً هذّبتها الفِطرة و أحكَمَتها السليقة ، فخرج بيانُهم كالسلسبيل العذب ..

يفتخرُ أحدهم فيقول : الطويل

و لستُ بنحويٍّ يلوكُ لسانَه و لكن سليقيٌ يقولُ فيُعرِبُ

و مع هذا فليس تَعلُّمُ اللغة صعباً ؛ لأن اللغةَ ـ بمفهومها الحديث ـ لا تخرج عن كونها نوعاً من العادة ..

اللغةُ نوعٌ من العادة ، و لـمّا كانت العاداتُ لا تُكْتَسَبُ إلا بطريق التدريبِ الواعي الـمُـنَظَّم و الممارسة المستمرة كان اكتساب اللغة لا يختلف عن اكتساب أيّ عادة أخرى كالضرب على الآلة الكاتبة و تعلّمِ الحاسوب و الرياضات المختلفة و قيادة السيارة و نحو ذلك ...

ثم يأتـي دور المهارة ، فالقدرة علـى استعمال اللغة تُعَدُّ ضرباً مـن المهارة ، و المهارةُ تعني الأداءَ الـمُتقَن فـي الوقت و الجهد(4) القائم على الفهم ...

ما السّبل التي تُمَكِّنُ المدرّسَ ـ صاحبَ الغَيرة و الإخلاص ـ و ترتقي به ؟

هل نُوَجِّـهُ له البواعثَ ؟ هـل نغرسُ فيه حبَّ الوطن ، حبَّ اللغة ؟ و نقول : اللغة مـن الإيمان ؟ ماذا نقول أيها الأكارم ؟ هل نوجه له القوانين و قد وُجِّهَت القوانين و الخطط المستمرة ؟

إنّ مِن أساليب خطّةِ تمكينِ اللغة العربية مجموعةَ أمورٍ ، منها :

إجراءُ دوراتٍ تدريبيةٍ للمعلمين كافّـة لتدريبهم على استعمال أساسيات لغتهم استعمالاً سليماً ..

توظيفُ دورات التدريب المستمر في جانب منها في هذا المنحى .

إلـزامُ جميـع المعلمين و فـي مراحل التعليم كـافةً باستعمال اللغةِ العربيةِ فـي العملية التعليمية التَعَلُّميّة ، و ألاّ يخضعوا للترقيّة في وظائفهم إلا إذا أثبتوا إتقانَهم أساسياتِ هذه اللغة .

تدريبُ معلمي اللغة على أساليب تعليمِ اللغةِ العربية و طرائقِ تدريسِها ، و العناية بالتعليم الذاتي

و المطالعةِ الحرّة .

تنويعُ طرائـقِ التدريس ، و المرونة باستعمالها بحسب الأجواء بمـا يفسح المجالَ فيها لاستثارة المهاراتِ العقلية العُليا من فهمٍ و تطبيقٍ و تركيبٍ و تحليلٍ و نقدٍ و تقويم .

و لا يخفى دور التشجيع و إحضار المكافآت للطلاب و للمدرسين على حدٍّ سواء .

استثارة الغيرة لدى المدرسين : ثمّةَ روادعُ في مجتمعنا يتلـقّاها كـلُّ إنسان قديمـاً و حديثاً ، ثمة روادعُ كان يتأثر بها من كان يُخِلُّ بعمله أو سلوكه أو يتصرفُ تصرفاً لا يليق ، فكان أحدُهم يُستَـثارُ بالوازع الديني ، يقومُ بعملٍ ما ، فيقولون له : هذا أمرٌ الدّينُ لا يرضاه ، فيجتنبُه ! هذا وازع ..

وازعٌ آخر : يقولون : هـذا التصرف لا يرضى بـه المجتمع ! ارتدعَ مِـنْ أجلِ وازعٍ اجتماعي ، و خاصة إن كان من بيتٍ فيه حسبٌ و نسبٌ .

يتصرف ثالثٌ تصرفاً ما ، فيقولون له : هذا أمرٌ يُخِلّ بوطنيتك، يُخِل بقوميتك ....

فهـل نجمعُ هـذه الروادع و هـذه النوازع بكاملها و نوَجِّهُها للمدرس ، و نقـول : هذا الردع و هذا الزجر و هذه النوازع كلُّها موجهةٌ إليك لكي لا تُخِلَّ بعملك و عليك أن تقومَ بعملك على أتمّ وجه ؟

هل تجتمع هذه الروادع و النوازع لدى المدرس فتُحوِّلُ كِيانَه من مستوًى عادي إلى مستوًى رفيع ؟

كانت تتحقق فـي حياة المعلم المثلُ العُليا ، يأمرُ فيُطاعُ أمرُه ، و ينهى فيُجتَنَبُ نهيُه و يُوفّـى التبجيل و ينالُ الإكبار ، كُن مُدَرِّساً ناجحاً تكُن إنساناً ناجحاً .

إنّني لأدعو المدرسين للاهتمام بهذه الغَيرة و الاهتمام بهذه النوازع و هذه الروادع و أن ينتبهوا لقولي ـ ذلك لأنفسهم ـ من خلال الثقافة المتكاملة التي بتنا نفتقدُها عندَ المدرّس ، هذه الثقافة المتكاملة تبدأُ بالاطلاعِ الواسع على التراث اللغوي و الأدبي مـن خلال القراءة الصحيحة السليمة و التدرّب المستمر ، و بيان ملامـح البلاغة في كل نصّ ، و لا يمنع من ذلك أن نستعين بأصحابِ التخصص ، نقرأُ أمامَهم ما نُحَضِّره في دروسنا و محاضراتنا و مراجعة نصوص اللغة فيما يشتبه علينا من الألفاظ و الأساليب و التعابير..

هذا التكامل قد غاب عنا ، مَن مِنّا مِن المدرسين جعلَ صِلةً بينه و بين كتبِ التراث حتى يستضيءَ هذا الفكر فيُقدّمَ لطلابه أنفعَ علم و أهمَّ علم و أسمى بيان ؟!

مَن منا جعل صُحبةً بينه و بين المعاجم ؟ مَن مِنّا جعل صحبةً بينه و بين كتب الأدب التي تكلم عنها الجاحظ

و تكلم عنها ابن خلدون ، كالبيان و التَّبْيين للجاحظ ، مَن مِن المدرسين يقرؤه ؟ الكامـل في اللغة و الأدب للمُبَرِّد ، أو الأمالي لأبي علي القالي ....

مَن منا جعل صحبةً بينه و بين ديوان المتنبي ؟ جعل صحبةً بينه و بين ديوان أحمد شوقي ؟ من منا جعل صحبةً بينه و بين كتب الرافعي التي تُمَلِّكُ الإنسانَ ناصيةَ البيان و اللغة و البلاغة ؟!

تتعدد الشكوى من الطلاب تجاه المدرسين ، و هذه الشكوى متفاوتة ، شكوى من مدرّسٍ في المرحلة الابتدائية

و شكوى من مدرسٍ في معهدٍ علمي و شكوى من مدرس مُختَصٍّ باللغة العربية ...

تتنوع و تتعدد هذه الشكوى ، يتبعُ الصورةَ السلبية للمدرس في المرحلة الابتدائية أو الإعدادية أو الثانوية صورةٌ لمدرسٍ جامعي في قسم اللغة العربية ، يُفاجَئُ فيه بعضُ الطلبة بما لم يتوقعه إنسانٌ عادي بَلْهَ المثقّفَ العربي الغَيور

و لعلّ ذلك لا يخلو من فائدةٍ و تبصرة ، و ذلك أن بعضَ مَن يتصدى لتدريس علوم اللغة العربية قد غابت

عن لسانه هذه اللغة فمحاضرتُه أغلبُها باللغة العامية أو باللغة الثالثة : سَكّنْ تَسلَمْ !

هل هذه المكانة ـ و هو أستاذٌ جامعي ـ تُتيح له العبثَ باللغة و الاستهانة بها ثم هو يتمحّلُ الحججَ و الأعذار لتسويغ ذلك ، أم هل يتقصّد ذلك إفساداً لهذه اللغة و هو فردٌ من أفرادها !

شكوى من الطلاب غيرِ العرب ، ثمةَ شكوى أخرى تنطلق من الطلاب الأجانب غير الناطقين بالعربية يُفاجَؤون بـأن بعضَ المدرسين يشوبُ لغتهم الكثير من التعبيرات العامية التي يفقد معها الطالبُ أصولَ الفكرة العلمية

و تضيع الفائدةُ عليه ، و كم سمعنا هذه الشكوى من طلاب من تركيا و من باكستان و طلاب من فرنسا

في قسم اللغة العربية يقولون : بعضُ أساتذتنا يتحدثُ بالعامية ، لا نستطيع أن نفهم الدرس !

لا نستهين أيها الأكارم بأمر هؤلاء الطلاب فجامعةُ دمشق و معاهدُها تضمُّ ما يقرب من سبعين جنسيةً تقصد دمشق لطلب العلم و هـي تعلم في حقيقة نفسِها أنّ دمشقَ كعبةٌ لطلاب العلم فكـلُّ واحد مـن هؤلاء إنما هو سفيرٌ لبلاده يحملُ العلمَ و النور من مهد العلم دمشق ...

هل يدري المدرس الذي يهجر لغتَه و يستهين بها ما نتائج ذلك الإجرام ؟ ماذا يترتب على مُدرّسٍ اتخذ تدريسَه صنعة بشكلٍ اعتيادي ؟؟!

أمامي مجموعةُ أمور يخجل الإنسانُ مـن ذكرها ! صدقوني يخجل الإنسان من ذكرها لمـن تصدّى التدريس

و عدَّهُ صناعةً اعتيادية ، كـالآتي : جفافُ القريحةِ الفكريـة ، يكِـلُّ الذهنُ عن السّمو الأدبي يموت الخيال

و ينطفـئ الإشراق و التجلّي ، يقسو القلب و يغفُلُ عـن إدراك حقائـق الوجود و غـاية الحياة ، ضآلةُ التفكير ، الحصر علـى مثال ، غيـاب الملامح البلاغية مـن فكره ، تغور منه ينابيعُ الفِكر تحيط بـه الرزايا

و الآلام ، يغيظه المدرسُ الملتزم باللغة و المقدّس لها ، الشعور بالعزلة الحسية و الروحية طوعاً أو كرهاً ، محبةُ الخمول ، دنـوّ الهمة عـن تحصيل المعالي ، لن يكون له سمعة مرموقة و لن يكون له مجدٌ يذكره أحدٌ من أبناء الأمة ، ينتابه المللُ و الألم من حياة رتيبة ، غيابُ أهداف الرسالة الخالدة النبيلة للأمة العربية التي جعلت لغتَها عنواناً لهويتها وحصناً لها ، نزوح فكرة الوفاء من أذهان الطلبة تجاه المدرس المضيِّع للغة ...

هل يكون التحدّث باللغة العربية وقفاً على مدرس اللغة العربية في المراحل كافة ؟ ما رأيكم ؟

إذا تلقى طالبُنا بعضَ الساعات و لنقل : التي فيها التزام و فيها استقامة للسان في مدرّس اللغة العربية ، ما شأن بقية المدرسين ؟

سيأتينا بيتٌ من الشعر هو الإجابة عن هذا السؤال : ما شأن الطالب الذي يتلقى بعضَ الدروس القليلة من مدرّس نبيل متقن للغة صاحب رسالة ، بالمقابل مجموعةُ المدرسين قد استهانوا باللغة ؟

الجواب على هذا السؤال بيتٌ من الشعر ، مَن يعرفه ؟ الطويل

متى يبلغُ البُنيانُ يوماً تمامَه إذا كنتَ تبنيه و غيرُك يهدِمُ

اليد الواحدة لا تصفق !

المؤمنُ قليلٌ بنفسه كثيرٌ بأخيه !

متى يبلغ البنيان تمامه إذا كنت تبنيه بآصالة وعلم وثبات و رسوخ و غيرُك يهدم هذا البناء ؟

إن النهوضَ باللغة و الارتقاءَ بها يتطلب التنسيقَ بين الجهود و تضافرها ، فليس التحدث باللغة العربية الفصيحة وقفاً علـى مدرس اللغة العربية ، و إنما هو واجب المدرسين جميعاً ، مدرسُ التاريخ و الجغرافية و الرياضيات

و الفيزياء و مدرس الرياضة و عليهم أن يعززوا دورَ مدرس اللغة من خلال التزامهم بالحديث باللغة العربية المبينة و أن يرشدوا طلابهم إلى الدقة و الوضوح و العناية التامة بها ..

فلا بد أن يراقبوا لغاتِ ناشئتهم و يعملوا على تقويم الاعوجاج و الزلل منطلقين من أن اللغة التي يعهدون إلى النهوض بها هي اللغة الأم و ليست لغةً أجنبية ، و الأمثلة على ذلك كثيرة قديماً و حديثاً ، الأمثلةُ من المدرسين الذين لم يختصوا باللغة العربية لكنهم برعوا فيها الأمثلة كثيرة ...

قَـلَّ أن نجـد له نظيراً في تواريخ الأمم مما يدلنا عل وجود الاستعداد الفطري في أبناء الأمة ، و أنّ عُنصرَ تلك النفوس النبيلة و الأذهان النيرة ما يزال في دماء الخلف كامناً في طبائعهم و أفئدتهم ..

من هذه الأمثلة : الأمـير مصطفـى الشِّهابي مجالُه مجال الزراعة ، لكنه أتقن العربية ، و كانت لديـه الغَيرة علـى هذه اللغة في أن يكتبَ و أن يترجمَ و أن يَدرُسَ الثقافتين دراسةً فـي غاية الدّقة و الاستيعاب ، حِرصُه في تدريسه و فـي تأليفه علـى اللغة حرصٌ لا نظيرَ له ـ و مجالُه مجال الزراعة ـ ألَّفَ كثيراً مِـنَ المؤلفات التي هي في غاية الدّقـة و ترجم الكتبَ الكثيرة مـن الفرنسية إلـى العربية و كان له منهجٌ متميز في الترجمة

و في التعريب و في الحديث عن خصائص العربية ...

لذلك سنجدُ التاريخ يُسَجّل هذا الاسم بأحرفٍ مِن نور : الأمـير مصطفى الشهابـي .

أوصى أن يُكتَبَ على قبره : البسيط

أمُّ اللغات قضيتُ العمرَ أخدمُها فهيَ الشفيعةُ في غفرانِ زلاتي

ما درسَ اللغةَ العربيةَ كما درسناها لكن نشأ عنده حبّ الغَيرة و الإخلاص و علو الهمة !

الدكتور : حسني سبح طبيبٌ مختصٌ بأمراضِ الباطنة لغتُه أرقى من لغات كثيرٍ من مدرسي العربية ، أيضاً سيسجله التاريخ و سيذكر مكانته و قيمته في هذه الحياة .

و الأمثلةُ على ذلك كثيرة ، أنا ضربت مثالين ، كلُّ واحدٍ منكم سيتذكر مدرساً من المدرسين ...

بالأمس ودَّعْنا الأستاذَ هاني المبارك هـل حفظتم تلك اللغة ؟ هـل سمعتم اللغة الخطابية التي كان الأستاذ

هاني المبارك يتكلم بها ؟ صدّقوني إنه تحدى أساتذةَ العربية بلغته و بيانه !

من الجيل الذي نعرفه الدكتور : مَكّي الحَسَني ، أحد أعضاء المجمع ، مِن أعلام الفيزياء في العالم ، الآن له دورٌ مهمٌ في بيان الأخطاء الشائعة ، و هو ليس مدرساً للغة العربية ، لاحظوا الغَيرة .

أيّها الكِرام إن المأمولَ أن تُـثيرَ هذه المحاضرةُ الاهتمامَ بهذا الجانب المهم من العملية التعليمية ...

ضـرورةُ التحدّثِ باللغة العربية الفصيحة و قـد اعتراه اليومَ كثيرٌ من النقص و الفتور ، و ليعلم مَن يطّلع على هذا الكلام من ذوي البصائر أنما أوردتُه مِنَ المآخذ إنما هو بقصد التنبيه إلى ما ينبغي على المدرّس اجتنابه فيما يتحدث و ينطق ، غَيرةً على هذه اللغة و رِفعةً لشأن رسالة المعلم .

متى يتحقق لأبنائنا أن ينهلوا مَعينَ اللغة بسماعٍ صحيحٍ عذبٍ من النبع الصافي ؟ متى يدركوا عز اللغة و حماسة محبتها و الإخلاص لها بعيداً عن شوائب الأوهام و الرطانة و العامية ؟

يـا أيها المدرسون : لقد توفرت أمامكـم دواعي النهوض باللغة العربيـة و الاهتمام بها و التقديس لهـا من قائد أمتكم ـ فـي الحديث : قد يـدع الله فـي السلطان مالا يدع بالقرآن ـ فلِمَ التواني و التهاون عن هذا الاهتمام ؟؟

اسمحوا لي أن أُرَدّدَ بعضَ الحكم التي قالهـا الشعراء :

الوافر

و لم أرَ في عيوبِ الناس عيباً كنقصِ القادرين على التّمامِ

الطويل

لَعمرُك ما ضاقت بلادٌ بأرضِها و لكنّ أخلاقَ الرجال تضيقُ

الكامل

كـلٌّ يجـودُ بمـا لديـه فـما الندى وقفـاً علـى مَـن يُجزِلون عطاءَ

لا تنهـضُ الأوطـانُ مـن كبـواتها إلا علـى أيـدٍ تفيـضُ سخـاءَ

و السلام عليكـم و رحمـة الله تعالـى و بـركاته . . .

الهوامش :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) : كونفوشيوس (551-479 ق.م) فيلسوف وسياسي ومعلم عظيم ، من تعاليمه :

ـ ما لا ترغب بأن يحدث لك لا تقم به للآخرين .

ـ إذا كان هناك موكب من ثلاثة أشخاص، فمن المؤكد أن واحداً منهم جديرٌ بأن يكون أستاذاً لي .

(2) : في ديوانه من قصيدة على لسان اللغة العربية و هي تعاتب أبناءها ، و مطلعها :

رجعتُ لنفسي فاتهمتُ حصاتي و ناديتُ قومي فاحتسبتُ حياتي

(3) : { و إنه لتنزيل ربّ العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين } الشعراء :191-195

{ و لقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي و هذا لسانٌ عربي مبين } النحل : 103

{ كتاب فُصّلت ءاياته قرءاناً عربياً لقوم يعلمون } فصلت : 3

{ و لو جعلنه قرءاناً أعجمياً لقالوا لولا فُصّلت ءايته ءاعجمي و عربي قل هو للذين ءامنوا هدًى وشفاءً

و الذين لا يؤمنون في ءاذنهم وقرٌ و هو عليهم عمًى أولئك ينادون من مكان بعيد } فصلت : 44

{ و هذا كتابٌ مصدق لساناً عربياً لينذر الذين ظلموا و بشرى للمحسنين } الأحقاف : 12

{ و كذلك أنزلنه حكماً عربياً و لئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم ما لك من الله من واق } الرعد : 37

{ و كذلك أنزلنه قرءاناً عربياً و صرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكراً } طه : 113

{ قرءاناً عربياً غير ذي عوج لعلهم يتقون } الزمر : 28

{ و كذلك أوحينا إليك قرءاناً عربياً لتنذر أم القرى و من حولها و تنذر يوم الجمع لا ريب فيه فريق في الجنة

و فريق في السعير } الشورى : 7

{ إنا جعلناه قرءاناً عربياً لعلكم تعقلون } الزخرف : 3

(4) : الجَهد : المشقة ، الجُهد : الطاقة .

من مؤلفات الدكتور أيمن الشوّا :

إعراب القرآن الكريم من مغني اللبيب

الجامع لإعراب جمل القرآن الكريم

مبادئ أساسية في فهم الجملة العربية

من أسرار الجملة الاستئنافية

ابن قيم الجوزية و آراؤه النحوية

معجم أسماء الأفعال في اللغة العربية

المهمات في علم الوقف و الابتداء

و للغة العربية تاريخُها

الوفاء في رحاب القرآن و الحديث و الأدب

نحو ثقافة قرآنية

و من الكتب التي حققها :

ـ نُبَذ من مقاصد الكتاب العزيزللإمام العز بن عبد السلام

ـ إرشاد القرآن و السنة

إلى طريق المناظرة و تصحيحها و بيان العلل المؤثرة

لابن قيم الجوزية الدمشقي ( من كتاب بدائع الفوائد )