مقالات


   رمضان غذاء الروح
        بقلم:  الدكتور محمد وهبة

يأتي هذا الشهر الكريم كلّ عام ليمسح عن المؤمنين عذابات وتعب أحد عشر شهراً، ويعطيهم مضادات حيوية لمواجهة القادم من الصعاب في الأيام المقبلة.

إنه كواحة وارفة الظلال يرتع فيها القادم من مفازة موحشة هدّه السير فيها، فاطمأن إلى الأمن والأمان وأخذ قسطه من الراحة والاستعداد لمسير جديد إلى الهدف المنشود، ومن المعروف أن اللـه سبحانه وتعالى خلق الإنسان من طين.. قال جل وعلا: (ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمأ مسنون) والحمأ هو الطين الأسود، والمسنون هو المصبوب في قالب إنسان أو مصور بصورة إنسان أو طين كالفخار صالح للتصوير والصقل.

وجعل اللـه سرّ هذا الجسد المخلوق من ماء وتراب في الروح التي هي سر من أسرار اللـه وبها يقوم المخلوق وبدونها يصبح جسداً لا حراك به.

(خلق الإنسان من صلصال كالفخار) فالإنسان أصله من هاتين المادتين، وطبيعي أن يكون غذاء الجسد مما تنبته الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها، أو مما أصله كذلك من الأرض كالحيوانات التي نأكل منها لحماً طرياً.

ولهذا فعندما تنزل المطر على الأرض ويمتزج الماء بالتراب تنبعث رائحة زكية تبعث في الإنسان ارتياحاً وسروراً.. لماذا؟ لأنه يحن إلى أصله، أليس أصله من ماء وتراب؟!ولهذا كذلك فإن الإنسان يحب الأطيان ويعشق أن يكون له الكثير من مساحات الأرض.

إذاً هذا غذاء الجسد.. فأين غذاء الروح؟! الروح ليست من مستوى سفلي بل هي علوية (فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين) ولذلك لا يكون غذاء الروح بالماديات، وكم من إنسان غني فاحش الثراء توافرت له أسباب الدنيا كلها نراه مكتئباً غير سعيد، يعاني من ضيق الصدر، والعكس صحيح.

غذاء الروح إذاً لا يكون إلا بالاتصال مع العالم العلوي، مع الخالق البارئ سبحانه وتعالى قال تعالى: (ألا بذكر اللـه تطمئن القلوب) فعندما يتعرف المرء على خالقه، ويدرك بأنه عبد له مسلّم إليه أموره راضياً بقضائه وقدره ترتاح روحه وتأنس بخالقها.

وبهذا يتحول من عبد قهر إلى عبد شكر، فالعبيد هم الذين رفضوا في ظواهرهم الانقياد للبارئ الخالق ومهما حاولوا الخروج من رق العبودية له فلن يفلحوا، ولهذا نراهم تضيق نفوسهم ولا تطمئن قلوبهم.

أما العباد (عبيد الشكر) فهم الذين ارتضوا عبوديتهم للـه، ورأوا أن هذا شرف لهم، لأنهم أدركوا أن الخبير العليم هو الآمر الناهي.. أما هؤلاء فيحيون حياة طيبة، ويدركون أنهم ليسوا أحراراً تجاه ربهم.. فالحرية المطلقة ضرب من الجنون، البعض يقول: أنا حر، فهل هو خلق نفسه أم أنه مأسور في هذه الحياة؟ جاء رغماً عنه وسيرحل كذلك؟ ومن لا يملك الأصل لا يملك الوصف، فالذي لم يملك أصل وجوده كيف يريد أن يعيش على هواه؟

يأتي رمضان ليعيد الروح إلى غذائها الحقيقي حيث يتصل المخلوق بالخالق، فينعكس هذا الاتصال على جوارحه كلها، فيعطف ويرحم ويحسن ويبتعد عن كل شرور منتصراً على نفسه وأهوائه وغرائزه.

رمضان دورة روحية هامة، هو كالمدخرة التي تمدنا طوال العام بالحب للخالق ولكل ما خلق اللـه سبحانه، وبالتالي نصل إلى درجة الإحسان (أن تعبد اللـه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك).

ليس المحروم من طرق الباب ولم يفتح له بقدر من فتح له الباب ولم يدخل.. فهل ندخل روضة رمضان الروحية قبل ان ينقضي زمانه؟!