مقالات 

 

هكذا فليكن التسامح الديني

 بقلم وائل البزم

 

إن مفهوم التسامح في الإسلام يعني أن نتعامل مع الغير, أياً كان هذا الغير, بالحكمة واللين والمعروف, مع مراعاة الضوابط الشرعية ذاكرين أمرين اثنين في حوارنا  :

أولهما : أن الكرامة الإنسانية حق مقدس ومحفوظ, لأن ربنا هو الذي قال في كتابه: ] وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ [ سورة الإسراء آية ( 70 ) .

وثانيهما: أن الله جل شأنه أمر البشرية و إن اختلفت في الاعتقاد والدين, أن تتعارف وأن تتقارب, وذلك عندما قال في كتابه : ] يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [ سورة الحجرات آية ( 13 ) .

فكأن الله تعالى  من خلال هذا النداء الذي نادى به البشرية كلها المسلم وغيره, يعلمنا أن الاختلاف في العقيدة والدين ، لا يمنع بني البشر من التعارف والتعاون والتحاور .

ومما لا شك فيه, أن هذا المعنى الذي نفهمه من هذا النداء, نرى الرسول صلى الله عليه وسلم يؤكده من خلال خطبته في حجة الوداع , التي نستطيع أن نسميها الوثيقة الإسلامية  والإنسانية الكبرى لحقوق الإنسان  ] إن ربكم واحد , وإن أباكم واحد , كلكم لآدم , وآدم من تراب , إن أكرمكم عند الله أتقاكم.......[ 

وهكذا نرى أن النصوص الشرعية غذتنا بهذا المعنى, معنى التسامح والتعارف والتحاور, ومن الخطأ ٍ أن نقول : إن مصطلح  التسامح لم يرد في القرآن, فكيف يجعله بعض الدعاة مصطلحاً إسلامياً ؟

نعم هذا المصطلح وبهذه العبارة لم يرد في القرآن والسنة, ولكن أَلَمْ يرد في القرآن والسنة نصوص كثيرة تدل على هذا المعنى وتحمل هذا المضمون؟ , ألم يقل الله تعالى  في كتابة : ] لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [ سورة الممتحنة آية (8 ) .

ما معنى هذا النص غير التسامح والحوار مع الآخر والقرب منه , ثم ليس هو المصطلح الإسلامي الوحيد الذي لم يرد في القرآن والسنة , فكلمة العقيدة أو الفضيلة لم ترد في القرآن ولا السنة, وهل عدم ورودها يعني عدم صحة مدلولها , أو أن الشريعة الإسلامية لاتقر بمفهومها !!!!.

إن أول سورة في القرآن الذي نعتقد أن ترتيبه توقيفي (من لدن الخالق) هي سورة الفاتحة, وأول أية ] الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [ وليس الحمد لله رب المسلمين , أو رب العرب ، أو رب الأتقياء . وآخر سورة في القرآن أول آية فيها ]  قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ[ وليس أعوذ برب المسلمين ، أو المؤمنين . أقول باختصار ليس في الدنيا دستور وقانون عُني بالتسامح والعالمية كما اعتنى القرآن الكريم .

كما أننا لو نظرنا في القرآن ودققنا نداءات الحق سبحانه فيه, لرأيناها متنوعة , فتارة ينادي الناس , ومرة ينادي أهل الكتاب , وأخرى ينادى المؤمنين , وهو دليل على عالمية الإسلام وشموليته, ولقد نادى الله سبحانه الناس في القرآن الكريم بقوله ]  يَا أَيُّهَا النَّاسُ [  ما يقارب عشرين مرة , وقال ] يَا أَهْلَ الْكِتَابِ [  ما يقارب اثنتي عشرة مرة , ونادى عباده المؤمنين بقوله ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا [ أمنوا ما يقارب تسعين مرة . أليس هذا التنوع في النداء الرباني دليلاً واضحاً على عالمية الرسالة وأن الله تعالى علمنا من خلال هذه النداء التواصل والتحاور والتسامح مع كل بني البشر لنأخذ بيدهم نحو ما فيه السعادة في الدنيا والفوز في الآخرة.

ثم إن التسامح إن فهمناه كما أمر الله ورسوله فإنه لن يؤثر على عقيدتنا ولن يفقدنا ثوابتنا , أما إذا فهمنا التسامح تزلفاً للآخرين وإرضاءً لهم فربما  أثر  على عقيدتنا وأفقدتنا ثوابتنا .

لذا أقول إن خير من يعلمنا التسامحَ المنضبط َ هو نبينا محمد عليه صلى والسلام من تلك الحادثة الشهيرة, وذلك حينما استقبال النبي عليه الصلاة والسلام وفد نجران _الاستقبال الثاني الذي كان بعد الهجرة_ حيث استقبلهم في المسجد , وتركهم وشأنهم في عبادتهم , ولم يسمح لأصحابه أن يتعرضوا لهم بأدنى إساءة  . ولكن بعد هذا كله , وعندما جلسوا للحوار , وكما نقول : لوضع النقاط على الحروف , قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم وبكل وضوح وصراحة ورحمة : يمنعكم من الإسلام ثلاث , عبادتكم الصليب , وأكل الخنزير ,  وزعمكم أن لله ولدا . فلم تمنعه الإنسانية وكـَرُمَ الضيافة , من بيان الحقيقة وبيان أنهم على باطل , ثم طال الحوار بينه بينهم وهم مصرون على عقيدتهم , فما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن دعاهم إلى المباهلة ولقد أشار القرآن إلى ذلك ] فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ [ سورة آل عمران آية ( 61 ). ومن المعلوم أنه عندما طلب منهم ذلك رسولُ الله صلى الله عليه وسلم رفضوا , وما ارتضوا الملاعنة والمباهلة , لخوفهم من غضب الله وسخطه أن ينزل بهم , فَودَّعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل ما استقبلهم به , وبعث معهم سيدنا أبا عبيدة بن الجراح ليأخذ منهم مبلغا من المال (الجزيه) مقابل الخدمات التي تقدمها لهم دولة الإسلام . من خلال هذه الحادثة نرى أن النبي صلى الله عليه وسلم استقبل النصارى وحاورهم وما منعه ذلك أبداً من قول الحق وبيان أنهم على عقيدة غير صحيحة , وهذا لا يعني أبداً إيذاءهم أو الإساءة إليهم, بل أكرمهم في البداية والختام.

بهذا الأسلوب النبوي الطيب الحكيم علمنا الرسول صلى الله عليه وسلم أن نكون متسامحين متحاورين وفي الوقت نفسه محافظين على مبادئنا وعقيدتنا .

وفي النهاية أقول : إن التسامح هو بضاعة إسلامية , والقرآن هو الذي أسس أصوله , والنبي صلى الله عليه وسلم هو الذي جسد هذه الأصول واقعاً في الحياة .