بسم
الله الرحمن الرحيم
الحمد
لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله
وصحبه أجمعين. وبعد:
إن
كلمة التطرف لفظ شامل يدخل تحته كل خارج عن المنهج الوسط
المبني على العدل والإنصاف وإحقاق الحق، فلا شك أن خطره على
العالم بأسره جسيم ومخيف، وإذا أردنا من كلمة الإسلام في
المحور المشار إليه المسلمين، فالمسلمون جزء من العالم الذي
ننتمي إليه جميعاً، ولا شك أن هذا الخطر يعود علينا جميعاً
بنتائج وخيمة، كان ينبغي أن يتعاون العالـمُ بجميع انتماءاته
على التخلص منها، لأنها شر مستطير ؛ لينعم هذا العالم بنعمة
الأَمْنِ والأَمَانِ، والحياةِ الهادئة التي توفر لجميع شعوب
الأرض حقوقها وكرامتها، في ظل العدل المنشود الذي تسعى إليه
أفراد الإنسانية جمعاء.
وما
أدري لـمَ ألصق الإعلام العالمي في هذه الحقبة من الزمن اصطلاح
التطرف أو الإرهاب أو التشدد أو الأصولية بالإسلام والمسلمين
الذين هم في جوهر شرعتهم أَبْعَدُ الخلقِ عن تلك الصفات
المكروهة المذمومة، بل وبكل أسف نجد أن المرحلة التي يمرُّ بها
العالـمُ اليومَ تشهد إلصاقَ تلك الشبهة الخطيرة بالإسلام
والمسلمين، وتصف هذا الدِّين القويم وأتباعَه بالتَّعصُّب
والعُنْفِ والشِّدَّة والإرهاب، والإسلام بَراءٌ مِن هذه
الاتِّهاماتِ الخطيرة؛ فهو دينُ الرَّحمة والعَدالَة والمحبَّة
والتَّسامُح، يتفاضلُ الخَلْقُ فيه بالتَّقوى والعمل الصَّالح،
فلا فضلَ لعربيٍّ على أعجميٍّ، ولا لأعجميٍّ على عربيٍّ، ولا
لأسودَ على أحمرَ، ولا لأحمرَ على أسودَ إلاَّ بالتَّقوى: قال
تعالى: «يا أيُّها النَّاسُ إنَّا خَلَقناكُم مِن ذكرٍ وأُنثى
وجَعَلناكُم شُعُوباً وقبائلَ لِتَعارَفوا إنَّ أكرمَكُم عندَ
الله أتقاكُم إنَّ اللهَ عليمٌ خبير» [الحُجُرات/13]. وكما
نلاحظ أن الخطاب في الآية الكريمة كان بلفظ ( يا أيها الناس )
أي :هو خطاب للبشرية جمعاء ، فالشعوب والقبائل خُلقوا
ليتعارفوا، لا ليتقاتلوا ويتناكروا ويتناحروا ، وأكرمُهم عند
الله أتقاهم وأَصْلَحُهم لنفسه والإنسانية جمعاء.
وإنَّ
أبرزَ ما يُميِّزُ هذه الشَّريعةَ الغراء هو (السَّماحةُ)، روى
البُخاريُّ عن ابن عبَّاسٍ ـ رضي الله عنهما ـ عن رسول الله r
قال: «أَحبُّ الدِّينِ إلى الله الحَنيفيَّةُ السَّمْحةُ» أي:
التي ليس فيها ضِيْقٌ ولا شِدّةٌ؛ إذ السَّماحَةُ وَسَطٌ بين
الشِّدَّة والتَّساهُل ، وأوسط كل شىء أعدله .
ويَرجِعُ أصلُ مفهوم السَّماحة إلى التَّيسير والاعتدال، وهما
من أهم أوصاف الإسلام، قال عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إنَّ
الدِّيْنَ يُسْرٌ، ولن يُشادَّ الدِّيْنَ أحدٌ إلاَّ غلَبَهُ».
وصَحَّ عنه r أنَّه" ما خُيِّرَ بين أمرَينِ إلاَّ اختارَ
أيسَرَهُما ما لم يكن إِثْماً".
وقد
حافظ الإسلامُ على وصف السَّماحة لأحكامِهِ التشريعية، وأقامها
على التَّيسير ورَفْعِ الحَرَج ودَفْعِ الضَّرَر، مُنْتهِجاً
فيها أُصولَ التدرُّج في التَّشريع، مُراعاةً للطَّبيعة
البشريَّة، مُشرِّعاً مِن التَّكاليف ما تَحتمِلُهُ طاقةُ
المُكلَّف، قال تعالى: «لا يُكلِّفُ اللهُ نَفْساً إلاَّ
وُسْعَها لها ما كَسَبَتْ وعليها مَا اكتَسَبَتْ»
[البقرة/286].
وإنَّ
المُتأمِّلَ في الدّلالاتِ والمعاني المُستَنبَطَةِ من لفظ (
السَّماحة ) يجدُها تتَّسِعُ لِتَشمَلَ كُلَّ مجالاتِ الحياةِ
الرُّوحيَّةِ والماديَّةِ، كما أنَّ المُستَقرِئَ للنُّصوص
القُرْآنيَّة والنَّبويَّة الشَّريفةِ، تجذبهه رُوحُ
السَّماحةِ والتَّيسيرِ، ويستوقفه منهج الوسطيَّة والاعتدال،
الذي يطبعُ مُجملَ التشريعاتِ الإسلامية.
فالغرابة كل الغرابة بعد هذا البيان الواضح لحقيقة الإسلام
كشرعة إلهية يظل أولئك الذين يلصقون تلك التهم الباطلة
بالمسلمين مُصِرِّين على مواقفهم العدوانية ضاربين عرض الحائط
تلك القيم المثلى التي بني عليها الإسلام من خلال سماحة الخطاب
الإسلامي، والصورِ والنماذجِ الكثيرة من الأخلاق النبوية التي
ربى رسول الله r عليها أفراد المسلمين عامة بدءاً من الصحابة
الكرام رضي الله تعالى عنهم.
سماحة
الخطاب الإسلامي:
وإنَّ
مِن أبرزِ مُقوِّماتِ السَّماحةِ في الإسلام: سماحةُ الخِطابِ
الدِّيْنيِّ، القائمِ على التَّحبُّبِ والتَّبشيرِ بالخير،
وعلى التدرُّجِ في التَّشريعِ ومُسايَرَةِ الفِطْرة، وعلى
العَفْوِ والمُجاوزةِ والمَرْحَمة. قال تعالى: «وبَشِّرِ
المُؤمنينَ بأنَّ لَهُم مِن الله فَضْلاً كبيراً»
[الأحزاب/47]، وقال عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ لمُعاذِ بنِ
جَبَلٍ وأبي موسى الأشعريِّ رضي اللهُ عنهما لَمَّا أرسلَهُما
إلى اليمن: «يَسِّرا ولا تُعسِّرا، وبَشِّرا ولا تُنفِّرا».
فالتَّبشيرُ والتَّحبُّبُ هُما رُوْحُ دعوةِ الإسلام، تألُّفاً
لنُفُوس مُعتنقيه، وترويضاً لعُقُولِهم، واستئناساً
لأرواحِهِم.
ولا
تقتصرُ سماحةُ الإسلام على الخِطابِ القوليِّ دون العمليِّ،
فالعِبادةُ في الإسلام تمتازُ باليُسْرِ والسُّهولةِ، وسُرعانَ
ما يحصُلُ بها للمُتعبِّد الطُّمأنينةُ والسّكينةُ، قال تعالى:
«الَّذينَ آمَنُوا وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ الله
أَلاَ بذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ» [الرَّعد/28].
أمَّا
ذِرْوةُ السَّماحةِ في الإسلام فإنَّها تتألَّقُ في تأسيسِهِ
منظومةً أخلاقيّةً مُتميِّزةً، تأخذُ بمَجامِعِ النَّفس،
وتُغذِّيها بمبادئَ وقِيَمٍ خالدةٍ، تُنيرُ دَرْبَها وتهديها
إلى سُبُلِ السَّعادة في الدَّارَين، وأوّلُ مَن تأدَّبَ بهذه
القِيَمِ السَّاميةِ رسولُ الله r ؛ إذ تجلَّتْ في أقواله
وأفعالِهِ، في حِلِّه وتَرْحالِهِ، ولازَمَتهُ في سِلْمِهِ
وحَرْبِهِ، لذلك امتدَحَهُ ربُّ العِزَّة قائلاً: «وإنَّكَ
لَعَلَى خُلُقٍ عظيمٍ». وقد لخَّصَ الرَّسولُ الكريمُ r
دعوتَهُ وبِعثتَهُ بقوله: «إنَّما بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ
مَكارِمَ الأخلاق».
صور
ونماذج من السماحة النبوية:
لم
تكن هذه الأخلاقُ العظيمةُ في الإسلام شِعاراً فَضْفاضاً، ولا
قِيَماً خاليةً مِن مَضامِينها الإنسانيَّةِ، بل كانت حركةً
نابضةً بالحياة، جَسَّدَها الرَّسولُ الكريمُ r في قُدوَتِهِ
لنا بصورةٍ مُضيئةٍ، فقد آذته قريشٌ في معركة أُحُد، وجمعت
جهدَها لقتْلِهِ ووَأْدِ دعوتِهِ، وخرج من المعركة جريحاً وقد
كُسِرت رَباعيَّتُهُ وشُجَّ وجهُهُ الكريمُ، فقيل له: يا رسولَ
الله ادْعُ على المُشركين، فقال: «إنِّي لم أُبْعَثْ لَعّاناً
وإنَّما بُعِثْتُ رحمةً».
وإن
رحمته عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ وسماحَتَه القلبيَّة هي التي
تغلِبُ في المواقف العصيبةِ، التي تبلغُ فيها المُعاناةُ أشدَّ
مراحلِها، وهذا ما بَرزَ واضحاً قي قوله r لما عرض عليه مَلَك
الجبال قائلاً: إنْ شِئتَ أنْ أُطْبِقَ عليهمُ الأَخشَبَيْنِ.
فقال: "بل أرجو أن يُخرِجَ اللهُ مِن أصلابِهِم مَن يعبُدُ
اللهَ وحدَهُ لا يُشرِكُ به شيئاً".
هكذا
نظر رسول الله إلى قومه بنور الإسلام، ورفض منهج الاستئصال
والإبادة لأعدائه، وأراد أن يتخذ من أصلاب الكافرين مصانع
بشريةً،تخرج أجيالاً من المسلمين الموحدين. وها هو ذا حين دخل
مكّةَ فاتحاً بعد سنواتِ الحربِ والحِصارِ، والبُعْدِ عن الأهل
والدِّيار، استسلمتْ له قُريشٌ مُذْعِنةً تنتظرُ التَّنكيلَ
والعذابَ، فيسألُهم عليه الصلاة والسلام : «ماذا تظُنُّونَ
أنِّي فاعلٌ بكُم؟» قالوا: خيراً، أخٌ كريمٌ وابنُ أخٍ كريمٍ،
فقال: «اليومَ أقولُ لكم كما قال أخي يُوسُفُ مِن قَبلُ:
لا تثريبَ عليكمُ اليوم، يَغفِرُ اللهُ لكم وهو أرحمُ
الرَّاحمين.. اذهبوا فأنتمُ الطُّلَقاءُ».
وهكذا
تتبدى لنا ثقافةُ ( السَّماحةِ ) في الإسلام بشكل جلي وواضح،
تقوم على الرَّحمة، وتُنادي بالمحبَّة، وتحكمُ بالعَدالة.
إن ما
تشهده الأمة من لقاءات ومؤتمرات لتقوية مواقفها، وجمع كلمتها،
وتصحيح صورتها المشوهة، لهو ميدانٌ واسعٌ، ومَرْتَعٌ خصبٌ،
لإحياء مفهومِ السَّماحةِ الشَّاملِ، في عِباداتِنا
ومُعاملاتِنا وأخلاقِنا، مُتأسِّينَ بقُدوَتِنا ومَثَلِنا
الأعلى سيِّدِنا مُحمَّدٍ r .
ومع
هذه المثل والأخلاق والمبادئ، يواجهنا اليوم واقع مؤلم ومؤسف
،ينتهك حرمة بني البشر تحت شعارات تُكَذِّب نَفْسَها من خلال
واقعها في سفك الدماء، وغصبِ الحقوق، والتنكيلِ بالأفراد
والشعوب على حد سواء.
الواقع والعنف:
لسنا
مغالين إذا قلنا إن واقع العالم اليوم يشهد انتهاكاً لحرمة
الإنسان واعتداءً فظيعاً عليه، من قبل دول الاستكبار العالمي،
وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، التي تنشر الذعر و
الإرهاب في بلاد العالم شرقه وغربه، من أفغانستان إلى السودان
إلى فلسطين والعراق ولبنان، و أخيراً في سوريا دولة الأمن
والسلام والاستقرار، ولقد انتشرت جريمة سفك الدماء بصورة بشعة،
وأصبحت حرمة الدماء نادرةً وعزيزةً.
وإن
أمريكا هي التي بدأت العداء للعرب والمسلمين، ، وما أكثر ما
استرخصته فينا، دماءً وأموالاً وأعراضاً وخيراتٍ وثروات. وكم
نحتاج من الوقت لعد ضحايا (عدالة) الإرهاب الأمريكي على أرضنا؛
وقد قتلت عدداً هائلاً لا يحصيهم إلا الله تعالى، واغتصبتْ
واستباحتْ ونهبتْ وأتلفتْ وأبادتْ، وساومتْ واسترخصتْ وباعتْ
واشترتْ.
وكم
نحتاج من الوقت لتنظيف الرُّكام الذي خلفته على أرض العرب
والمسلمين من خراب ودمار وأشلاء، ونفايات السلاح القذر التي
لوثت به أجواءنا وترابنا وهواءنا، وسمَّمت طعامنا وشرابنا
وأجسامنا.
إن
حروب أمريكا التي خاضتها تحت شعار مكافحة الإرهاب خلال سنوات
طويلة، ومازالت مستمرةً حتى الآن، خيرُ دليلٍ وبرهان على لعبة
الإرهاب الأمريكية التي مارسهتا بجنون وسادية، في سباق محموم
مع الزمن، دون رحمة أو هوادة، وبمباركة دولية وتصفيق ممن
استهوتهم تلك اللعبةُ القذرة .
الولايات المتحدة لا تستطيع أن تكسب العالم بأسلحتها المتطورة
وبطائراتها، بل تستطيع أن تكسب العالم - وخاصة العالم الإسلامي
والعربي - بالمودة والمحبة والعدل وروح التعاون، وإذا مدت يد
الخير للشعوب العربية والإسلامية يمكن أن تكسبهم وهي محافظة
على سيادتها وكونها سقف العالم .
والسؤال الملحُّ الذي يفرض نفسَه: أين المنظمات الدولية، وأين
مجلس الأمن، وأين محكمة العدل الدولية، وأين الأمم المتحدة من
هذه العربدة الأميركية؟ إنها سكتت أمام هذا العدوان السافر على
شعوب الأرض التي قُتل وشُرد ونُكب كثيرٌ من أبنائها، وما تزال
صامةً آذانُها عن سماع نداءات الاستغاثة من أفواه أولئك
المنكوبين.
الدعم
الأمريكي للفكر التكفيري:
وإن
من أخطر ما يواجهه العالم في هذه الأيام هو خطر انتشار الفكر
المتطرف والمتشدد المستند إلى فتاوى مضللة و أفكار مزيفة،
بعيدة كل البعد عن جوهر الإسلام السمح، وقد حمل أصحاب هذا
الفكر المستورد ثقافة العنف والتشدد والغلو، الذي تبرَّأ منه
الإسلام على لسان الرسول r بقوله: "إنَّ الدِّيْنَ يُسْرٌ، ولن
يُشادَّ الدِّيْنَ أحدٌ إلاَّ غلَبَهُ ".
لقد
استباح هؤلاء المتطرفون دماء المسلمين و أموالهم و
أعراضهم،متأثرين بأصحاب التيارات المتشددة المصنوعة بأيدٍ
آثمة، متناسين النصوص الشرعية التي ترفض أعمالهم الإجرامية.
يقول
الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى
ءادَمَ وَحَمَلْنَـٰهُمْ فِى ٱ