مقالات 



الشيخ حسام الفرفور...وجمال العلم

                           بقلم الدكتور  محمد حسان الطيان

 

لكل امرئ من دهره مثلٌ يتمنى أن يحاكيَه ويحلم أن يكون مثله أو يدانيَه. ومازلت أذكر أن مثلي الأعلى كان غلاماً صغيراً لا يكاد يتجاوز العاشرة من عمره, ولم أكن أنا أتجاوز السادسة.
في مسجد السادات رأيته, حيث قرأ عشرًا من القرآن الكريم بين يدي درس والده, راعني فيه وسامته, ونداوة صوته, وفرط ثقته بنفسه. ونافسني على محبته كل من رآه وسمعه, وكأنما هو زهرةٌ فتنت بها كلُّ العيون, بل كأنما هو سكَّرةٌ ذابت في كل القلوب. ولم أكن بحاجةٍ إلى السؤال عنه, فالكل في المسجد يعرفه، إنه حسام الدين الفرفور الولد الثاني لشيخ المسجد وخطيبه وواعظه ومدرِّسه العلامة الشيخ محمد صالح فرفور رحمه الله وأكرم نزله.
ورأيتني مفتوناً به, أحاول أن أحاكيه في كل ما رأيت منه, نظراته, حركاته، مشيته, قعدته أمام مكبر الصوت, قراءته، مخارج حروفه, إي وربي كنت أقلد كل ذلك، وأستعيض عن مكبر الصوت بعصا كنت أتخذها وأنا أجلس على طرف السرير أتلو ما تيسر لي من قصار السور التي كنت أحفظها بصوت شهد له من سمعه بالنداوة.
وكنت كلما كَبِرت قليلاً كَبِر الشيخ حسام كثيرا, وكانت السنوات الأربع التي تفصل بيننا دهوراً طوالاً لا يكاد المرء يبلغها, لذا كنت أكتفي منه بالنظرة العجلى, والإعجاب العابر، وبالحول ينقضي دون أن نلتقي .. إلى أن كلفه شيخنا الشيخ عبد اللطيف الفرفور تدريسنا فن التجويد في المسجد الجديد بحي السادات, وكم كان فرحي عظيماً حين بدأ يقرئنا رسالة في التجويد للشيخ أحمد دهمان, لقد أحسست آنذاك أن أستاذي هو مثلي الأعلى وقدوتي المثلى.
وحبُّكَ مالكٌ لحظي ولفظي وإظهاري وإضماري وحسِّـي
فإن أنطِق ففيكَ جميعُ نطقي وإن أسكتْ ففيكَ حديثُ نفسي
ثم كرَّت الأيام والشهور والسنون, وتبدَّتْ لي في الشيخ حسام مواهبُ عدّة وفنون مختلفة، لم تزدني به إلا إعجاباً وإكباراً.
فقد اعتلى منبر مسجد السادات خطيباً ولما يبلغِ السابعةَ عشرةَ من عمره، فكان المفوَّهَ اللسِنَ البليغ, وأمَّ الناس فكان القارئ المجوِّد المتقن ، وترأس فرقة للإنشاد الديني فكان البلبل الصدّاح الطريب, وشارك في مباريات الشعر ومساجلاته التي كان يحلو لنا أن نقضي بها أوقات فراغنا من الدروس والواجبات فكان الحافظ المبادر العجيب.
وناظر أقرانه وأترابه وأشياخه فكان صاحب الحجة الحاضرة والبديهة المواتية. وأما فنون الرياضة والرماية والصيد فحدِّث عنه ولا حرج، إذ شهدته يمارس فنونها, ويتألق في ضروبها, ويبزُّ أقرانه في سباقاتها. إن أنسَ لا أنسَ طعاماً صنعه لنا مع نفر من كرام الإخوة في مرج السلطان بغوطة دمشق كان إدامه ما صاده وصاحب لنا من عصافير وطيور، وكان في ذاك السيران النجم المبرز في كل فن ولعب وعلم وأدب، فقد أنشد فبزَّ المنشدين, ولعب ففاق اللاعبين, وناقش فأفحم المناقشين, وصاد فعاد بأوفر صيد, ثم ختم كل ذلك بلعبة لم يبق فينا واحد إلا ناله أثر منها لا يمحى ولا ينسى.
وحين شببت عن الطوق, وتحسَّست طريقي إلى التخصص بهذه اللغة الشريفة, كان الشيخ حسام قد سبقني أشواطا في ذلك, إذ تخرج في معهد الفتح، والتحق بالأزهر الشريف ليحصل على الإجازة منه, ثم تابع الدراسات العليا في اللغة والأدب, ومن ثم كان الملاذَ لي في بعض ما كنت أصبو إلى إتقانه وإحسانه من فنون اللغة ولاسيما النحو, الذي كنت به كلفاً مغرماً, وحزت فيه أعلى درجةٍ في دفعتي بالجامعة آنذاك.
أذكر أنه كان يحضر مع الشيخ عبد الفتاح البزم درساً في النحو عند العلامة الشيخ إبراهيم اليعقوبي - رحمه الله وأعلى مقامه - يقرأان عليه كتاب شرح الكافية للرضي الإستراباذي, وهو من أجلّ كتب النحو، فطلبت إليه أن أشاركهما الحضور, فاعتذر برفق لم أقنع به، ولكنه عوضني عن ذلك بجلسةٍ خصّني بها قرأت عليه فيها فصولاً من كتاب مغني اللبيب لابن هشام الأنصاري، وقد نصحني آنذاك بكتاب شرح شواهد المغني للبغدادي فاقتنيته، وعرفت منه كيف يمزج النحو بالأدب، فيغدو ممتعا سلسا. كنت أقرأ عليه في بيته القديم وأرتشف بعد كل قراءةٍ قهوة ما رشفت أطيب منها, يمضي الزمان عليَّ لا أسلوها.
ثم كانت له يدٌ عليَّ لا أنساها، أسأل الله أن يجزيه عنها, فقد طلب إلى والده رحمه الله وبرَّد مضجعَه أن يخصَّنا بجلسة أدب _ وهو الأديب الألمعي والشاعر اللوذعي _ فكان له ما أراد, وبتنا نترقَّب جلسة السبت بفارغ الصبر, نقرأ فيها على الشيخ صالح من كتاب الكامل للمبرد ومن كتاب العمدة لابن رشيق القيرواني, وكان ينثر علينا من درره وفوائده ما يثري العقل ويمتع القلب ويسمو بالروح ويبهج النفس. حضر معنا بداياتها الشيخ ياسين النحلاوي, ثم انفردت مع الشيخ حسام بحضورها في بيت شيخنا القديم، ما قطعها إلا مرض الشيخ عليه رحمات المولى سبحانه.
وكلفني الشيخ حسام بعد ذلك تدريس مقررٍ أثيرٍ لديه في معهد الفتح الإسلامي، كان يدرِّسه والده من قبل، ثم انتقل إليه، ثم آل إليَّ, وهو مقرر أصول النحو في كتاب الاقتراح للسيوطي، ويعلم الله ما كنت أبذل من جهدٍ وأنفق من وقت في الإعداد والتحضير لهذا التدريس حتى أفي بحق مقررٍ كان يقوم له شيخنا الشيخ صالح رحمه الله. وكان لي في ذلك خيرٌ كثير في علمي وتعليمي ومنزلتي بين الناس.
وما زادتني الأيام إلا معرفة بأصالة الشيخ حسام, وحكمته, وحسن تأتّيه, وطيب معشره, وقوة عارضته, وفصاحة لسانه, ونقاوة جنانه, كل هذا إلى خلق نبيل, ومنبت كريم، وصلاح أصيل، أحسبه كذلك ولا أزكي على الله أحداً.
أذكر من حكمته وحسن تَأَتِّيهِ أنه تَسَنَّم إدارة القسم التخصصي في معهد الفتح الإسلامي فلم يدع أستاذا متميّزا في فنه - سواء في الشريعة أو العربية أو غيرهما من تخصصات المعهد - إلا استقطبه، على اختلاف المذاهب والمشارب والنوازع، فصرت ترى المعهد مجمعا لأولي العلم والنباهة والفكر. وأشهد أنه كان ومازال يعامل الجميع أحسن المعاملة وأرقاها وأبقاها على وجه الدهر. وهو يجاهد في سبيل جعل هذا المعهد العتيد جامعة إسلامية، تجمع إلى سمعتها العلمية المتميزة ما يخولها منح أعلى الدرجات وأعظم الشهادات. نوَّلَهُ الله سؤلَه وأحسن أجره.
على أن المزيَّة التي يمتاز بها على كثير ممن أعرف من أهل العلم, هي الغوص في حل المشكلات، وقراءة ما بين السطور، والبحث عن العلة وعلة العلة فيما يتصدى له من تدريس الكتب وإقرائها. وهو كَلِفٌ بذلك مغرمٌ به لا يكاد مجلس من مجالسه يخلو من ذكره والتغني به.
كنت أحضر مجلساً له في مكتبته العامرة، يقرأ فيه كتاب دلائل الإعجاز للإمام الجرجاني، فلا يدع عبارة تمر أو شاهداً يذكر إلا أحاط بهما علماً ومعرفةً وشرحاً وتفصيلاً وتدقيقاً وتنقيبا. بل كان يطلب إلينا إعادة صوغ عبارة الجرجاني لكثرة ما فيها من الطول أحياناً ومن التداخل والاستطراد أحياناً, فيتبارى أهل المجلس وهم نخبة من أهل العلم والمعرفة أذكر منهم الشيخ عبد الرزاق المؤنس, والشيخ أحمد القباني, والشيخ خضر شحرور, والشيخ محمد سليم اللبني, والشيخ منير الجوادي، والشيخ سالم الزنداني التونسي، والشيخ بسام ضفدع، والشيخ صبحي النمر ....., يتبارى هؤلاء وغيرهم في إعادة صوغ العبارة ثم يوافينا الشيخ حسام بصياغة أين منها صياغة الذهب؟!, وكان ذلك المجلس يختم بقراءة شيء من كتاب البيان والتبيُّن للجاحظ. واهاً لها ما أجملها من جلسات! وما أمتعها من سهرات!
ألا هلْ إلى أبياتِ سمحٍ بذي اللوى أو الرملِ من قبلِ المماتِ معادُ
بـلادٌ بـها كنّا ... وكنّا نحبُّها إذِ الناسُ نـاسٌ والبلادُ بلادُ
وكما حظيت بالتعلّم من الشيخ حسام وحضور دروسه ومجالسه، فإني حظيت بتعليم أولاده وحضورهم دروسي ومجالسي، وإنها لحظوة ما يعلم مقدارها وأهميتها إلا من ابتلي بالتدريس والتعليم، فبقدر ما يكون التدريس بلاء وكربا ونقمة مع من ليس العلم من شأنه ولا يريد أن يتعلم ولكنه أكره على التعلم، وهو لا يرى في التعلم إلا مطية إلى المناصب والمراتب والوظائف دون بذل أدنى جهد، أو لا يرى فيه إلا ضربا من التفاخر والتباهي والبرستيج! يكون هذا التدريس سرورا وحبورا ونعمة مع من شأنه العلم والتعلم، فهو يقبل على معلمه إقبال الجائع النهم على طعام طيب، وإقبال الظامئ العطشان على مورد عذب نمير، فتراه يعبُّ العلم عبّا، ويتذوق البيان والأدب والفصاحة كما يتذوق أحدنا أطايب الطعام، وإن قلبه لييتلمَّظ من طيب ما وعى، وإن عقله ليتمطَّق من روعة ما أدرك، وإن عينيه لتُبرِّقان من جمال ما رأتا، وإن أذنيه لتشنَّفان من حلاوة ما سمعتا. هذا الصنف من الطلبة هو الذي يجعل من المعلم جذوة متوقدة، تشعّ بالعلم، وتضيء بالفهم، وتُطرف من يسمعها بكل شاردة ونادرة، وتمتع من يحضر مجلسها بكل فائدة وفاذَّة، فيمضي ليعطي دون حساب، ويعتلج في صدره قول الشاعر:
فمن منحَ الجهّالَ علماً أضاعَهُ ومن منعَ المستوجبينَ فقد ظلَمْ
أقول: لقد حظيت بتعليم أولاد الشيخ حسام علاء وأسماء وضياء وعصام ومعتصم، فما وجدت فيهم إلا الأدب البالغ، والجواب الحاضر، والذكاء الوقّاد، والحذق النفَّاذ، وفقهم الله وسدد خطاهم، وسرَّ برِفعتهم أباهم.
ثم تغرّبت عن بلدي, فلا والله ما ذكرتها مرة إلا ذكرت الشيخ حسام, ولا زرتها مرة إلا زرت الشيخ حسام, ولا تابعت احتفالاتها الدينية على التلفاز مرة إلا سرني رؤية الشيخ حسام إن حضر وساءني غيابه إن غاب، ورأيتني أردِّد فيه مع الشاعر قوله:
ما غيّرَ النأيُ ودّاً كنتَ تُسعِدُهُ ولا تبدّلتُ بعدَ الذّكرِ نسيانا
ولا حمِدتُ إخاءً من أخي ثقةٍ إلا جعلتُكَ فوقَ الحمدِ عنوانا
أسأل الله سبحانه أن يبارك له فيما أعطاه, وأن يسرّه فيما آتاه, وأن يسعد مهجته ويؤتيه سؤله على ما يحبه ويرضاه، وأن يجزيه عني أحسن الجزاء وأوفاه.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.