مقالات


  معا ً .. نحو خطاب الوسطية والاعتدال
        بقلم:  الدكتور محمد وهبة

تحرص بعض القنوات الفضائية المتخصصة بالخطاب الديني والدعوي على إرسال رسائل خاطئة لا تتفق مع خطاب التسامح والرحمة الذي جاءت به الشرائع والأديان السماوية .

والمشكلة أن القائمين على هذه القنوات يظنون أنهم يحسنون في الوقت الذي يسيئون فيه إلى جوهر التعاليم الدينية ، وخاصة أن المخاطب في كثير من الأحيان غير مؤهل لفرز الدخيل من الأصيل ، والغث من غيره .

وهذه ليست مشكلة القنوات الفضائية الدينية فقط ، بل هي مشكلة عند بعض الذين يتصدرون للوعظ والإرشاد حيث يأتي هذا الخطاب الديني ليشيع حوا ً من التعصب والتشنج وعدم قبول الأخر .

وهذا ما قد يسمم الفكر الإنساني ويشيع التلوث الفكري الذي سيؤدي إلى الصدام والمواجهة المرفوضة عمليا ً في كل شريعة سماوية .

لقد أنشأ الإسلام حضارتنا فلم يضق ذرعا ً بالأديان السابقة ، ولم يتعصب دون الأراء والمذاهب المتعددة ، بل كان شعاره ( فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ) فالأديان السماوية كلها تستقي من معين واحد ، والأنبياء إخوة لا تفاضل بينهم من حيث الرسالة وعلى المسلمين أن يؤمنوا بهم جميعا ً ... و العقيدة لا يمكن الإكراه عليها ، بل لا بدَّ من الاقتناع و الرضا ( لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) وأماكن العبادة للديانات الإلهية محترمة يجب الدفاع عنها وحمايتها كحماية مساجد المسلمين .

والناس لا ينبغي أن يؤدي اختلافهم في أديانهم إلى أن يقتل بعضهم بعضا ً ، أو يتعدى بعضهم على بعض ، بل يجب أن يتعاونوا على فعل الخير ومكافحة الشر.

والتفاضل بين الناس في الحياة وعند الله بمقدار ما يقدم أحدهم لنفسه وللناس من خير وبر ، فالخلق كلهم عيال الله فأحبهم إليه أنفعهم لعياله .

والاختلاف في الأديان لا يحول دون البر و الصلة والضيافة .

فحينما يحمل المسلمون رسالة الإسلام الحضارية للناس جميعا ً فإنما يحدوهم إلى ذلك ما غرست مبادئ الإسلام في قلوبهم من حب الخير للناس جميعا ً ، والرغبة بأن يدفعوا الناس إلى معارج المجد الإنساني ، ويأخذوا بأيديهم إلى القمم الحضارية الراقية .. فالله سبحانه وتعالى قد أعلى الأخوة الإنسانية بقوله : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) و أعلنها النبي العربي الكريم بقوله : ( كلكم لآدم و آدم من تراب ) وهذا يستدعي أن يحب الإنسان لأخيه ما يحب لنفسه .

فالمسلم الفاهم لإسلامه ينظر إلى غيره من الخلق جميعا ً نظرة محبة بصدق وإخلاص كما ينظر الطبيب العاقل الرحيم والحازم الحكيم إلى مريض مسكين .

على هذا الأساس قامت حضارتنا ، وبه رأت الدنيا لأول مرة ، دينا ً ينشئ حضارة فلا يتعصب على غيره من الأديان ولا يطرد غير المؤمنين به من مجال العمل الاجتماعي والمنزلة الاجتماعية ..

لقد عاشت بلادنا زمنا ً طويلا ً ( ولاتزال ) في ظل هذا التسامح الديني و الأخلاقي الكبير .. فكانت المساجد تجاور الكنائس ، بل إن كثيرا ً من الكنائس كان يصلي فيها المسلمون و المسيحيون في وقت واحد إبان الفتح الإسلامي ، ونعلم أن النبي عليه الصلاة و السلام سمح لنصارى نجران أن يصلوا في مسجده بجانب المسلمين وهم يصلون صلاتهم .

وفي كنيسة يوحنا الكبرى في دمشق التي أصبحت الجامع الأموي فيما بعد رضي المسيحيون بأن يأخذ المسلمون نصفها ، ورضي المسلمون أن يصلوا فيها صلاتهم ، فكنت ترى في وقت واحد أبناء الديانتين يصلون متجاورين ، هؤلاء يتجهون القبلة ، وأولئك يتجهون إلى الشرق ، وإنه لمظهر عجيب فريد في التاريخ له مغزى عميق في الدلالة على التسامح الديني الذي بلغته حضارتنا .

لقد كان الأطباء المسيحيون في العهدين الأموي و العباسي محل الرعاية لدى الخلفاء ، وكان لهم الإشراف على مدارس الطب في بغداد ودمشق زمنا ً طويلاً ، ذلك أن الوظائف كانت تعطى للمستحق الكفء بقطع النظر عن عقيدته ومذهبه .

هذا هو واقعنا .. نقبل الأخر ونعترف به ، بل إن القرآن خاطب غير المؤمنين بخطاب الإحترام ولم يقطع حبل المودة والتعاون وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ )  فقد اعترف بهم و تحبب إليهم ليجلسوا على طاولة الحوار .

ومن العجيب و الغريب أننا لا نزال نسمع من هنا وهناك بين الحين و الأخر خطاب التشدد والتعصب مع كل ما جاءت به الأديان من تسامح واعتدال في الطرح .

لذلك ينبغي ألا نكتفي بقلع الأشواك ، بل نزرع مكانها الزهر والياسمين .. حريصين على سلامة الفكر وتعميم فكرة الأمن الفكري وتخليص العقول من الشوائب التي علقت بها جراء خطابات ربما كانت جاهلة أو مدفوعة أو مأجورة .

وفي بلد مثل سورية نجد الأرض خصبة لإقامة محمية فكرية يمكن أن تكون مثالا ً يحتذى في دول العالم الإسلامي وما اجتماع وزراء خارجية الدول الإسلامية و الذي تألق بخطاب واع ٍ ومنفتح من سيادة الرئيس بشار الأسد إلا لبنة هامة في بناء هذه المحمية الواعدة .. خاصة أن سورية وعلى مرّ التاريخ مهد للحضارات و الأديان و العيش المشترك .

كما أن هناك أنشطة فكرية دائمة تقام في سورية .. فالمؤتمرات و المنتديات و اللقاءات الكثيرة كلها تهدف إلى هذه الغاية المنشودة ولعل في المؤتمر المزمع عقده مطلع حزيران بالتعاون ما بين وزارة الأوقاف و السفارة البريطانية ( رسالة السلام في الإسلام ) لعل فيه ما يمكن أن يستفاد منه للعالم الإسلامي وغير الإسلامي .. فنحن نريد تعميم خطاب الوسطية والاعتدال ونرفض كل خطاب يرمي إلى زرع بذور الفتنة و الطائفية أو المذهبية ، لأن العالم يتسع للجميع وعلى الجميع أن يعيشوا بمحبة وتواد بعيدا ً عن تطلعات أعداء الحياة .

لقد بدأ الغربيون يدركون إفلاس حضارتهم من الناحيتين الروحية و الأخلاقية ، وأخذ كثير منهم يتجه نحو الشرق عله يجد ما يسد فراغه الروحي ويرده إلى إنسانيته الكريمة ..

فلنحرص على تقديم رسائل المحبة و نبذ رسائل التباغض والتباعد والخصام .