السيد وزير الأوقاف الدكتور زياد الدين الأيوبي ممثلُ السيدِ رئيس الجمهورية العربية السورية الدكتور بشار الأسد .

السادةُ أصحابَ الفضيلة العلماء .

أيها الإخوة الحضور و المشاهدون و السامعون .

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .

الحمد لله الحنان المنان ، صاحب الجود و الإحسان ، الذي أكرمنا بشهر رمضان ، فجعله شهر الرحمة و المغفرة  و العتق من النيران . الحمد لله الذي جعل فيه ليلة هي خير من ألف شهر .

و الصلاة و السلام على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين ، و على آله و صحبه و من تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

و بعد :

فإننا في رحاب ليلة القدر ، ليلة القرآن ، ليلة النفحات ، ليلة الخيرات . قال تعالى :

فليلة خير من ألف شهر تعادل أكثر من ثلاث و ثمانين سنة ما هي إلا عطاء خص الله  به أمة سيد الأنبياء و المرسلين لما استقل أعمارها ، و تقال أعمالها ، فحريّ بأبناء هذه الأمة أن تعرف لهذه الليلة قدرها ، فتتعرض فيها لنفحات الله قياماً و تبتلاً إلى منزِّلها عز شأنه ، و تتأسى بفعل نبيها الأعظم سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم الذي كان أحرص الناس على قيامها ، و الاعتكاف فيها بمسجده الشريف . فعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل العشر الأواخر ، أحيا الليل ، و أيقظ أهله ، و شد المئزر .

نعم أيها المؤمنون :

إنها الليلة الشريفة المعظمة المفضلة ، إنها الصورة الفريدة في نوعها ، الساميةُ في موضوعها ، من فاته فضلها و حُرم خيرَها فقد ظلم نفسه . لقد أمرنا رسولنا الكريم عليه الصلاة و السلام أن نلتمسها في أواخر رمضان فقال في الحديث الصحيح : ( التمسوها في العشر الأواخر من رمضان في كل وتر ) .

و ما الحكمة في إخفائها ، كما أخفيت ساعةُ الإجابة يومَ الجمعة ، و كما أخفي اسم الله الأعظم ، إلا الاجتهادُ في طلبها ، و الجد في العبادة طمعاً في إدراكها لنيل ثوابها و تحصيل أجرها . و لقد رجح كثير من العلماء أنها ليلة السابع و العشرين من رمضان . قال أبي بن كعب رضي الله عنه – فيما رواه الترمذي و صححه - : ( و الله لقد علم ابنُ مسعود أنها في ليلة سبعٍ و عشرين و لكنْ كره أن يخبركم فتتكلوا ) ، و رجح ذلك ابن عباس رضي الله عنهما – حبر هذه الأمة – حين أشار إلى ذلك بقوله : ( سورة القدر ثلاثون كلمة ، السابعةُ و العِشرون فيها كلمة ( هي ) من قوله تعالى :    ( سلام هي حتى مَطْلَعِ الفجر ) .

و لقد بين لنا رسول الله صلى الله عليه و سلم عظيمَ أجرِ قيامها فقال : ( من قام ليلة القدر إيماناًَ و احتساباً ، غُفر له ما تقدم من ذنبه ) رابطاً بين القيام و الإيمان و الاحتساب في ذلك ، إخلاصاً   لله ، كما ربط عليه الصلاة و السلام صيام رمضانَ و قيامَه بالإيمان و الاحتساب فقال : ( من صام رمضان إيماناً و احتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه ) ، ( و من قام رمضان إيماناً و احتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه ) فجعل عليه الصلاة و السلام مغفرة الذنوب في قيام رمضان و صيامه ، و قيام ليلة القدر ، منوطاً بالإخلاص لله و حده ، قال جل و علا :

فهنيئاً لمن فاز بذلك ، و الخسرانُ المبين لمن أدرك رمضانَ و ليلة َ القدر و لم يُغفر له .

و رحم الله الحسن البصري ، سيدَ التابعين ، القائل : إن الله عز و جل جعل شهر رمضانَ مضماراً لخلقه ، يستبقون فيه لطاعته ، فسبق قوم ففازوا ، و تخلف قوم فخابوا ، فالعجبُ كلُّ العجب للضاحك اللاعب في اليوم الذي فاز فيه السابقون ، و خاب فيه المبطلون ، أما و الله لو كشف الغِطاء ، لاشتغل المحسن بإحسانه ، و المسيء بإساءته .

و من هنا يتبين لنا معشر المؤمنين المنهجُ الإسلامي الكامل في  التربية ، الذي يربط بين العبادة و حقائقِ التوحيد ،  و يجعل العبادة وسيلةً لإحياء هذه الحقائقِ الإيمانيةِ و تثبيتِها صورةً حية ، تَتَخَلَّلُ المشاعر ، و تتجاوز حدود التفكير ، و تمنح الحركة في عالم الضمير و عالم السلوك على حد سواء ، حركةً دافقةً في حياة الفرد ، بل  و في حياة الجماعة، ليكون ذلك كلُّه استنهاضاً للمعاني الكبيرة التي تشتمل عليها العبادات ، و ليكون تجرداً لله ، و إخلاصاً لوجهه الكريم ، فيرتبطَ فيهما بالمعاني العظيمة التي نزل بها القرآن الكريم ، من عقيدة  سليمة ، و عبادةٍ قويمة، و معاملةٍ حكيمة ، تجعل من المسلم مفتاح خير لنفسه و أهله و ذويه ، بل و لبني الإنسان عامة ، في صورة بيضاءَ نقية ، تلك الصورةُ الناصعة التي أراد أعداء الحق أن يشوِّهوها ، لينالوا من أمتنا الماجدة ، التي أُرسل نبيها عليه الصلاة و السلام رحمةً للعالمين ، فلم يكن فظاً و لا غيظ القلب ، بل كان لين الطبع ،سهل المعاملة ، كاملاًُ في خَلْقه و خُلُقه ، ربى أصحابه ، و حثَّ أفراد أمته ، على الخلق الرفيع ، و المكارم المحمودة .

فأمةٌ هذا دينها و نبيها و خلقُها ، لا يمكن أن تكون بحالٍ صانعةَ إرهاب ، أو داعيةً إليه ، أو مؤيدةً لأصحابه ، و لكنها و إن كانت أمةَ الجهاد ، فجهادها لنشرِ العدل و الفضيلة و الخير ، و لردِّ العدوان و الغصب ، و السَّلب و النهب ، و لإحقاقِ الحق و رفعِ الظلم ، أمةٌ ربّيت على أن تعرفَ ما عليها فتؤديَه بإحسان ، و تعرفَ مالها فتطلبَه بمعروف ، ترفض الظلمَ و الضيمَ و تسعى لعزتها التي كتبها الله لها بقوله :( ولله العزة و لرسوله و للمؤمنين ). هذه هي الصورةُ الناصعةُ التي بُني عليها إسلامُنا العظيم ، و هذه هي الحقيقةُ التي يريد أن يُشوِّهَها أعداءُ الحقِّ و العدل .

و هذا ما أكده سيادة الرئيس بشار الأسد في لقائه الأخير في مأدبة الإفطار التي أقامها تكريماً للعلماء عندما تطرق لمحاولات تشويه الإسلام ، و دعا أفراد المجتمع كلِّه إلى تحمل مسؤولياتهم تجاه ما يحصل ، عبر الحوار و التعقل و التركيز على القضايا الأساسية التي تعني الأمة العربية و الإسلامية ، و على رأسها القضية الفلسطينية ، و أوضح أنه لا يوجد قلق على الإسلام في المنطقة بوجه عام ، و في سورية بوجه خاص ، لأن الإسلام دين تنزل من عند الله ، و أكد سيادته أهمية دور علماء الدين في التواصل مع الجميع لتكريس قيم الدين الصحيح ، و بين تفاؤله بالمستقبل رغم كل التحديات بفضل التماسك و الترابط و التعاون على البر والتقوى ، و قال إن الدور الذي تلعبه سورية ، و المسؤولياتِ التي تتحملها ، هي شرف كبير لها ، لذلك علينا ألا نقلق أو نخاف أو نخضع ، بل علينا أن نتمسك بالمبادئ ، و أن نتوكل على الله .

نعم أيها المؤمنون :

إن التمسك بالقيم الإيمانية و العملَ الدؤوب المخلص ، و الإعدادَ للمستقبل وفق منهج محكم ، يؤدي بعد التوكل على الله إلى ما تصبو إليه أمتنا من تحقيق أهدافها النبيلة التي ترجوها.

فإذا كان شهر رمضان شهر الانتصارات في تاريخنا المجيد ، و إذا كانت ليلة القدر ليلة التضرع ، فلنبتهل إلى الله العلي القدير في ليلة الدعاء و الابتهال ، أن ينصر أمتنا ، و أن يكون عوناً لإخواننا المجاهدين في الأرض المحتلة ، و في العراق الشقيق ، و أن يجمع شملهم و يوحد صفهم ، و أن يبرم لأمتنا أمر رشد يعيد فيه عزها  و منعتها و سؤددها ، و لن نجد أيها الإخوة المؤمنون في حربنا مع عدونا الغاشم الذي تلقى الدرس القاسي في صمود المقاومة اللبنانية المؤمنة لن نجد سلاحاً أمضى ، و لا أبقى ، من الإيمان و الجهاد ، مع اتخاذ أسباب القوة التي أمرنا الله تعالى بإعدادها ، رابطين قوة الأرض بمدد السماء ، متكلين على الله حق التوكل ، إذ من لا توكل له ، لا إيمان له ، و ما التوكلُ الحقُّ إلا الإيواءُ إلى الله   وحده ، في جميع الأحوال ، و الانخلاعُ من الحول و القوة التماساً للتحقق بقوله سبحانه :

و لعل خير دعاء ندعو به – و نحن في ليلة القدر – ما علَّمه سيدنا رسول الله صلى الله عليه و سلم السيدةَ عائشة – رضي الله عنها – حين سألته قائلةً : يا رسول الله أرأيت إن وافقتُ ليلة القدر ماذا أقول فيها ؟ قال : قولي     (( اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفُ عني )) .

فهذا الدعاء في إيجازه ، جامع للخير كله بإعجازه ، لأن من رُزق العفو ، عوفي في بدنه و نفسه و أهله و أمته ، و عوفي من الحساب و العقاب ، فكان من الفائزين .

فاللهم يا حنّان يا منّان ، يا من بيده ملكوت السماوات و الأرض، إنك عفوٌّ تحب العفو فاعفُ عنا ، و فرج عن أمتنا ، و ردنا إلى ديننا رداً جميلاً ، و أيدنا بتأييد من عندك ، يا ربَّ رمضان ، و يا ربَّ ليلة القدر ، و يا ربَ كل شيء ، هييء لأمتنا أسباب النصر ، ليتنزل عليها النصر الذي وعدته عبادك المؤمنين بقولك :

(( إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ))

ووفق رئيس جمهوريتنا بشاراً الأسد إلى ما فيه خيرُ البلاد و العباد ، و إلى ما فيه إحقاقُ الحق و نصرتُه ، إنك يا مولانا خير سميع و خير مجيب .

و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد و على آله و أصحابه أجمعين .

 

ألبوم الصور