|
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه الطاهرين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدِّين. أمَّـا بـعد: ها نحن في العشر الأواخر من شهر رمضان ، أيام البر والوفاء ، والخوف والرجاء ، وأيام العتق من النار ، والفوز برضا الله الغفار ، فيا سعادة من تعرض لنفحاتها ، ويا حسرة من أضاعها ، وفرط في الأيام الباقية من هذا الشهر العظيم رمضان ولى مسـرعاً للصائمـين مودعـاً عاد الكريـم لربـه فاسكب عليه الأدمعا كان النبي صلى الله عليه وسلم يخص هذه الأيام بأعمال لا يقوم بها في بقية الشهور ، يحيي من الليل أكثره ، ويوقظ أهله ، ويجد في العبادة ويجتهد ، ويشد المئزر ، وبين العشاءين يغتسل ويتطهر ، لأن الليالي العشر الأخير من رمضان فيها ليلة مباركة أنزل فيها القرآن ، هي خير من ألف شهر ، ولذلك سميت بليلة القدر ، تعظيماً لشأنها وتبيانًا لجليل قدرها . ولما كانت هذه الليلة بهذه المنزلة والمكانة ، استحب فيها التطيب والتزين ظاهراً وباطناً . أما الظاهر فبالغسل والطيب واللباس ، وأما الباطن فبالتوبة والإنابة ؛ لأنه لا يصلح لمناجاة ملك الملوك في الخلوات إلا من زين ظاهره وباطنه . إذا المرء لم يلبس ثيابا من التقى تقلب عريانا وإن كان كاسياً أيها السادة المستمعون والمشاهدون اختص الله تعالى كلَّ أمة من الأمم بِميِّزةٍ ، وميزة هذه الأمة ليلةُ القدر ، التي هي منة عظمى ونعمة كبرى ، أنعم الله بها علينا ، لنتدارك فيها من العمل ما قصرت عنه أعمارنا. يقول الإمام مالك ـ رحمه الله ـ بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُرِيَ أعمال الناس قبله ، فكأنه تقاصر أعمارَ أمته ، ألا يبلغوا من العمل ما بلغه غيرهم بطول العمر، فأعطاه الله ليلة القدر خيراً من ألف شهر ، وألف شهر تعدل ثلاثة وثمانين سنة ونيفاً ، صح عن رسول الله أنه قال فيها (من قام ليلة القدر إيمانا واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه). وقيامها إنما هو إحياؤها بالصلاة والدعاء والذكر والاستغفار وقراءة القرآن . وأحب الأعمال فيها الدعاء ، كما يقول سفيان الثوري رحمه الله، لأن النبي r كان يتهجد في ليالي رمضان ، ويقرأ قراءةً مرتلةً ، لا يمر بآية فيها رحمة إلا سأل ، ولا بآية فيها عذاب إلا تعوذ ، وبذلك يجمع بين الصلاة والدعاء ،والتفكر والخشوع والبكاء . تقول السيدة عائشة رضي الله عنها للنبي صلى الله عليه وسلم : أرأَيت إِنْ وافقتُ ليلةَ القدر ما أقول فيها ؟ قال : قولي (اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني). والعَفوُّ من أسماء الله تعالى ، ومعناه المتجاوز عن سيئات عباده الماحي لآثارهم عنهم. وكان من دعائه ومناجاته عليه الصلاة والسلام ((أعوذ برضاك من سخطك ، وعفوِكَ من عقوبتك)) أيها المشاهدون والمستمعون الدعاء وسيلة النجاة ، وسُلَّمٌ الوصول ، ومطلب العارفين ، ومطيَّة الصالحين ، ومفزَع المظلومين ، وملاذ المستضعفين ... به تُستَجْلَب النِّعم ، وبمثله تستدفع النقم ، وهو سلاح الأنبياء في أصعب المواقف ، استخدمه النبي r في غزوة بدر فجاءه النصر ، واستخدمه أيوب عليه السلام بعد ما نزل به أنواع البلاء فاستجاب الله وكشف ما به من ضُرّ ((وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين ، فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر...)) [الأنبياء/83-84] جعله الله تعالى عبادةً وقربى ، وأمر عباده بالتوجه إليه لينالوا عنده منزلة وزلفى ، لأنَّ فيه إظهارَ الافتقار لله تعالى ، والتبرؤَ من الحول والقوة ، كما أن فيه معنى الثناءِ على الله ، واعترافِ العبدِ بجود وكرم مولاه، فإليه تُرفع الشكوى ، وهو منتهى كل نجوى، قال تعالى : ((وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان)) [البقرة/186] تأمَّل أخي المسلم في هذه الآية ، تجد فيها غاية الرقة والشفافية ، آيةٌ تسكب في قلبك الوُدَّ والأُنسَ، والرضا والثقة واليقين ، ولولم يكن في الدعاء إلا رقَّةُ القَلبِ لكفى . اقرأ قوله تعالى ((فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرَّعوا ولكن قَست قلوبُهم)) [الأنعام/43] لذلك ليس شيء أكرمَ على الله تعالى من الدعاء كما قال عليه الصلاة والسلام . وإن من أهم أسباب الإجابة أن يُسبَقَ الدعاء بأدبِ الباطنِ المتمثلِ بالتوبة والإنابة ، ورد المظالم والإقبال على الله تعالى بهمَّة علية ، كما أنه من أهم ما يُسألُ الله تعالى في الليالي المباركة وفي ليلة القدر على وجه الخصوص أن يرفع الله عن هذه الأمة ما أصابها من غمة البلاء وتسلط الأعداء ، وأن يكرمها الله بالغيث بعد القحط، وبالرخاء بعد الجدب، وبالفرج بعد الكرب . يروى أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ استسقى بالعباس عمِّ النبي r فلما فرغ عمر من دعائه قال العباس: اللهم إنه لم ينزل بلاء من السماء إلا بذنب ، ولم يكشف إلا بتوبة ، وقد توجه بي القوم إليك ، لمكانتي من نبيك r وهذه أيدينا إليك بالذنوب ، ونواصينا بالتوبة ، وأنت الراعي ولا تهمل الضالة ، ولا تدع الكبير بدار مَضْيَعة ، فقد ضَرع الصغير ، ورقَّ الكبير ، وارتفعت الأصوات بالشكوى ، وأنت تعلم السر وأخفى ، اللهم فأغثهم بغياثك قبل أن يقنَطوا فيهلِكوا ، فإنه لا ييأس من رَوحِ الله إلا القومُ الكافرون. قال راوي الخبر : فما تم كلامه حتى ارتفعت السماء مثل الجبال . فاللهم فرِّج عن أمة حبيبك محمد صلى الله عليه وسلم في هذه الليلة المباركة، واسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، ولا تحرمنا من بركات هذه الليلة وتجلياتها يا عفوُّ يا كريْم. |