بسم
الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله
وصحبه ومن والاه.
وبعد:
لا بد قبل البدء ببيان ضرورة التعليم الإسلامي في نجاح
المجتمعات من تعريف العلم لغة واصطلاحاً، أما في اللغة
فيقول ابن منظور في تعريفه : هو نقيض الجهل، وعلمتُ الشئ أعلمه
علما عرفته، قال ابن بري: تقول علم وفقه، أي تعلم وتفقه.
وأما
في الاصطلاح فقد قال الراغب في مفردات القرآن : العلم
إدراك الشئ بحقيقته، وذلك ضربان: أحدهما إدراك ذات الشئ،
والثاني الحكم على الشئ بوجود شئ، هو موجود له، ونفي شئ هو
منفي عنه .
ثم
العلم ينقسم باعتبارات عديدة، ولعل الأهم أنه ينقسم إلى شرعي،
وغير شرعي.
فالشرعي: هو مايستمد من الشارع الحكيم، ولا مدخل لعلوم
الآلة فيه.
والعلوم الشرعية قد يراد بها ما أمر به الشارع، وقد يراد بها
ما أخبر به الشارع، فالأول: هو العلم المشروع كالواجب
والمستحب، وربما دخل فيه المباح.
والثاني: هو العلم المستفاد من الشارع، وهو ماعلمه الرسول صلى
الله عليه وسلم لأمته بما بعث به من الإيمان و القرآن والكتاب
و السنة.
وعلى
هذا يتبين لنا أن العلم الشرعي هو ما كان له اتصال بالشرع،
وليس له استمداد إلا منه، وعليه فهو توقيفي، أي يتوقف العلم به
على العلم بالشرع،
وما
جاء في الشرع إما أن يكون قرآنا، وإما أن يكون حديثاً، ويدخل
فيه كل ما يعين على فهمهما، لذا قال ابن قدامة في مختصر منهاج
القاصدين:
فأما
العوم الشرعية فكلها محمودة، وتنقسم إلى أصول وفروع ومقدمات
ومتممات.
فالأصول: كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم،
وإجماع الأمة، و آثار الصحابة الكرام رضي الله عنهم أجمعين.
والفروع: ما فُهم من هذه الأصول من معانٍ تنبه لها العقول،
حتى فهم من اللفظ الملفوظ، كما فهم من قوله:( لا يقضي القاضي
وهو غضبان) أنه لا يقضي جائعا.
والمقدمات : هي التى تجري مجرى الآلات، كعلم النحو واللغة،
فإنهما آلة العلم لفهم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه
وسلم.
والمتممات: كعلم القراءات، ومخارج الحروف، وكالعلم بأسماء
رجال الحديث وعدالتهم وأحوالهم.
فالعلوم الشرعية إذاً متنوعة ومختلفة، فمنها علوم أصلية، ومنها
علوم مساعدة، يسميها بعضهم علوم الآلة، ويسميها آخرون علوماً
صناعية، فالعلوم الأصلية هي علم الكتاب والسنة أي علم التفسير
والحديث والفقه، ثم علم التوحيد المعتمد على الكتاب والسنة
لعظيم منزلته.
ومن
هنا نقول : إن على طالب العلم السعي الجاد لتحصيل العلوم
الأصلية كالتفسير والتوحيد والحديث والفقه.
والعلوم المساعدة كأصول التفسير، أو ما يسمونه بعلوم
القرآن، وأصول الحديث، أو ما يسمى بمصطلح الحديث، وأصول الفقه
والنحو وعلوم اللغة العربية عامة.
ومع
هذه الأصول فالحاجة ماسة إلى ما هو بمثابة الملح للطعام
كالأخبار والتراجم والغرائب والقصص والتاريخ و نحو ذلك.
ومما
سبق يتبين لنا أن طالب العلم الشرعي عليه أن يتعلم كل ما يدخل
تحت مسمى العلم الشرعي، أي المقاصد، ووسائل المقاصد، وهي علم
أصول التفسير، وعلم مصطلح الحديث، وعلم أصول الفقه، وعلم اللغة
من النحو والصرف والبلاغة، وبقية العلوم كالتاريخ والسير
والتراجم وغيرها.
العلم
والإيمان سبيل رفعة الأمة
التعليم الشرعي فرض عين في الأمور الضرورية التي لابد منها لكل
مسلم، ليكون الأنموذج الحي، وليمثل إسلامه بواقع حياته
اليومية، وفرض كفاية في أجزائه الأخرى، ولابد للأمة أن تتعلّم
هذا العلم الشرعي لتحفظ كيان الدين، وتسمو إلى المرتبة التي
خصَّها الله بها، فقد جعلَ الله رِفعةَ هذهِ الأمَّةِ
وَعِزَّتَها وعُلُوَّها ومَجْدَها منوطاً بالعلـم والإيمـان
فقال تعالى: (وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين)، وقال: (ولله
العزة ولرسوله وللمؤمنين)، وقال: (يرفعِ الله الذين
آمنوا منكم والذين أوتـــوا العلــم درجات)، فكلما كانت
الأمة أكثرَ حظاً ونصيباً من العلم والإيمان كانت رفعتُها
وعزَّتُها أظهرَ وأشهر، وكلمَّا ضعف حظُّها منهما كانت أكثرَ
تخلفاً وانحطاطاً وذلةً، والتاريخ والواقع شاهدان على ذلك.
- فما
ظهرت الفرق الضالة والبدع والأهواء والخرافات التي ضل بسببها
كثير من الناس، ولا قامت التيارات الفكرية المنحرفة ورفعت
راياتها، إلا بسبب ضعف العلم، وضعف القائمين به، وفشُو الجهل
وانتشاره.
- وما
ظهرت المعاصي والمنكرات، واستُحِلَّت المحرمات، واستهينَ
بالفرائضِ والواجباتِ، إلا بسبب ضعف الإيمان .
فبقدر
ما يضعف العلم والإيمان ينحط الفرد، وتنحط معه الأمة، وبقدر ما
يزيد العلـم والإيمـان يرتفع الفرد وترتفع الأمة، فهذه سنة
الله في خلقه وإثباتها من الشريعة والتاريخ والواقع ظاهر جلي
على مر العصور والأزمان.
أهمية
المتون العلمية
سار
علماؤنا الأوائل من عدة قرون مضت على انتهاج المتون العلمية
منهجاً موصلاً إلى حسن التحصيـل وقوة التأصيل، حتى تخرَّجَ
بهذا المنهج عدد كبير من العلماء، تعلَّموا فأتقنوا التعلم،
وعلَّموا فأحسنوا التعليم، وألَّفوا فجوَّدوا التأليف، فغدت
أقوالهم نبراساً يهتدى به، وسيرهم أسوة يتأسى بها، ومؤلفاتهم
منهلاً لكل عالم ومتعلم، رحلوا وبقيت مآثرهم وآثارهم دليلاً
على حسن منهجهم، وجودة تحصيلهم، وانتفاع الناس بعلومهم.
ذلك
أن المتون العلمية تجمع لطالب العلم في كل فَنٍّ لُبَّ مسائله،
كما تجمع شتاتها بألفاظ مختصرة، وتقسيمات معتبرة، تقرب البعيد،
وتيسر العسير، وتجمع المتفرق، فيتناولها العلماء بالشرح
والتفسيـر، والبيـان والتحريـر، حتى يذلل صعبها، ويتضح مشكلها،
وينفتح بها للطلاب أبواب من العلم النفيس، ولا يزالون يتدرجون
في مدارج تلك المتون حتى يبلغوا مبلغاً عظيماً من العلم.
وقديماً قيل: (من حفظ المتون حاز الفنون)، وإنما ينتفع بالحفظ
من فهم ما يحفظ، فلذلك كثرت شروح العلماء على تلك المتون
واشتهرت.
واقع
طلاب العلم اليوم
إن
الناظر في أحوال طلاب العلم اليوم يجدهم يعانون في التحصيل
معاناة شديدة، أخرتهم سنوات عديدة،وحصل للأمة بسبب تأخرهم
وتخلفهم نكسات ونكبات، فما أكثر ما جنى الجهل على الأمة من محن
ورزايا، وفتن وبلايا، يعلم كل ذي لُبٍّ موفق أنه لا مخرج منها
إلا بالعلم والإيمان، وأن الحاجة ماسة لتذليل ما يعانيه طلاب
العلم من الصعوبات، وتيسير وسائل التعلم والتعليم وتجـويدها
وإتقـانهـا، حتى تسير على السبيـل المأمون المفضي إلى الأهـداف
المرجـوة، الذي يُؤمَن فيه على شباب الأمة من الانحراف
والانجراف وراء الأهواء المغرضة، أو الشهوات المضِلَّة.
وقد
قيل: إنما يفسد الدنيا ثلاثة أنصاف: نصف فقيه، ونصف طبيب، ونصف
نحوي، فالأول يفسد الأديان، والثاني يفسد الأبدان، والثالث
يفسد اللسان. وإذا تصدَّر الطالب قبل أوانه، وأفتى قبل
إِبَّانه، جنى على أمته جناية كان بالإمكان تفاديها لو استشعر
عقلاء الأمة مسؤوليتهم قبل تصدر أولئك ما لا يليق بهم.
الهجمة
الشرسة على مناهج التعليم
إن
أعداء الأمة قد أدركوا ما لم يدركه بعض أفرادها من عظيم خطر
العلم، وكبير قدره، فحاربوا الأمة في مناهجها حرباً شرسة، بغية
إفساد ناشئتها، وسلبهم هويتهم الدينية، وجعلهم يلهثون وراء ما
يزينونه لهم من زخرف القول، ويغرونهم به من السراب الذي يحسبه
الظمآن ماءً، مما يجعل شبابنا أقل خطراً عليهم، وأسهل انقياداً
لهم، ويأبى الله إلا أن يتم نوره، ويعلي كلمته، ويعصم طائفة من
هذه الأمة لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم.
ومن
هنا أقول يجب على عقلاء الأمة إعطاء هذا الأمر جديته، والنظر
في سبل تطوير وسائل التعليم الشرعي، ومعالجة ما يعترضها من
معوقات وصعوبات، والعمل على تقديم مستجدات، ليعيدوا لهذه الأمة
مجدها وعزها وسؤددها.
أين
يكمن الحـل :
إن
تطوير التعليم الشرعي وخدمته بوسائل التقنية الحديثة، وتذليل
الصعوبات للطلاب، ومعالجـة سلبيات الطلب الحالية، ضرورة ملحة
على الأمة، فينبغي لكل من وجد في نفسه قدرة على الإسهام في ذلك
أن يبذل جهده في إنتاج ما يفيد طلاب العلم ويعجِّلُ تأهيلهم
وإعدادهم، مع مراعاة الرجوع لأهل الاختصاص في كل فن واستشارتهم
في ذلك؛ حتى لا يكون التعليم الشرعي ضحية الاجتهادات الفردية.
فالأمة بحاجة إلى عدد من المنتجات التطويرية لتجاوز أزمة ضعف
التأهيل العلمي، والأخذ بيد أبنائها إلى ما يكفل لهم مكانتهم
المرموقة في مجتمعاتهم بل ومجتمعات الآخرين، مع التطلع إلى ما
وعد الله عباده المؤمنين العاملين من سعادة أبدية في الآخرة.
مكانة
العلم الشرعي في الإسلام
لا
يخفى على المسلم حقاً أهمية العناية بالعلوم الشرعية المستمدة
من كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم في كل زمان ومكان
-ولا سيما في هذا العصر- الذي طغت فيه العلوم الدنيوية التي
غلبت على الناس، وسيطرت على أفكارهم واهتماماتهم.
فمعظم
المسلمين اليوم غلب عليهم الاهتمام بالعلوم المادية الدنيوية،
والزهد بالعلوم الشرعية، مع أن الأصل في الإنسان المسلم إذا
وجد من نفسه قدرة على التحصيل وبخاصة العلوم الشرعية، ورغبة
فيها، وتهيأ له التلقي ممن يجد عنده الأهلية أن يبادر لذلك بجد
ونشاط، ويحمد الله على هذه النعمة؛ لأنَّ محبة العلم الصحيح،
علم الكتاب والسنة، والعلوم المستمدة منهما فيها خير الدنيا
والآخرة.
والعلوم الشرعية أنواع:
النوع
الأول: علوم شرعية أساسية: وهي التي جاء بها الوحي.
النوع
الثاني: ما يسمى بعلوم الآلة، أو العلوم المعينة: وهي وسيلة
لتحصيل تلك العلوم الأساسية، ففهم القرآن، وفهم السنة يحتاج
إلى وسائل، تُعين على فهم مضامين كتاب الله عز وجل، وسنة رسوله
صلى الله عليه وسلم. وبهذه العلوم مجتمعة يتوصل المسلم إلى
معرفة الله، ومعرفة نبيه، ومعرفة دين الإسلام بالأدلة، والحاجة
ماسة اليوم إلى هذا العلم الشرعي الذي تزكو به النفوس، وتستنير
به البصائر، وتتنور به العقول، وقد سماه الله نوراً فقال
تعالى: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ
الَّذِي أَنزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
}التغابن8. وقال سبحانه : {وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ
الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ }النساء113. فالقرآن والسنة هما
النور الذي يهدي إلى سبيل الرشاد.
فالعلم المنزل هو الذي يحصل به الفرقان بين الحق والباطل،
ويحصل به التبصير حتى يبصر الإنسان طريقه إلى الحياة الطيبة في
الدنيا وإلى السعادة الأبدية في الآخرة، قال تعالى: {يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا
بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل
لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ
غَفُورٌ رَّحِيمٌ }الحديد28. وهذا النور حقاً هو الذي يحصل
باتباعه الفلاح ، قال تعالى: {فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ
وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ
أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
}الأعراف157.
والنتيجة أنَّ العلم الشرعي ضروري للمسلم إذ لا تستقيم شؤون
حياته إلا به سواء ما هو فرض عين، وهو ما لا يقوم دين
الإنسان إلا به.
أو ما
هو فرض كفاية وهو الذي يجب على الأمَّة الإسلامية أن
يكون فيها من يعلمه؛ حتى يكون ذلك سبباً في بقاء هذا الدين
عزيزاً، وبقاء العلم الموروث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
محفوظاً، مع الاطمئنان الكامل على أن هذا الدين محفوظ بحفظ
الله تعالى القائل:{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ
وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}الحجر9. متذكرين مع هذا الحفظ
ما أخبر به الصادق الأمين مبشراً أمته ومؤكداً لها مضمون الآية
الكريمة بقوله عليه الصلاة والسلام (لا تزال طائفة من أمتي
ظاهرين على الحق...) رواه البخاري:(6881) من حديث المغيرة
بن شعبه رضي الله عنه، ومسلم:( 1920) من حديث ثوبان رضي الله
عنه، واللفظ لمسلم.
ولا
بد بعد حفظ الله سبحانه لكتابه المنزل، ووعد رسول الله صلى
الله عليه وسلم ببقاء طائفة من أمته ظاهرة لا يضرها من خالفها
حتى يأتي أمر الله، لا بد لنا من إقامة الأسباب في التحصيل
والعناية والطلب الصادق لنيل العلوم الشرعية التي تكفل لنا
العز المنشود، والسعادة المرجوّة، مع الثقة الكاملة بما وعدنا
الله ورسوله.