مقالات   
 

يسألونك عن الأهلة

   

بقلم الشيخ : ماهر الهندي

 قال معاذ  رضي الله عنه : يا رسول الله إن اليهود تغشانا ويكثرون مسألتنا عن الأهلة، فما بال الهلال يبدو دقيقاً ثم يزيد حتى يستوي ويستدير، ثم ينتقص حتى يعود كما كان فأنزل الله هذه الآية:{يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج}

[البقرة:189] ( 1 )  

 ولكن لما كان القرآن كتاب هداية وإيمان بالإضافة إلى كونه كتاب علم وثقافة، أجاب بالأسلوب الحكيم فأعرض عن مضمون سؤالهم وأجاب عن الأهلة من جانب آخر بأنها مواقيت للناس والحج، ثم بين حقيقة ولادة الهلال وتكامل القمر واختلاف أشكاله حتى يرجع كالعود اليابس المنحني تبعاً لتقدير منازله فقال تعالى:{والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون}[يس:39]

 فما هي الأهلة؟ وكيف يثبت شهودها؟

 الأهلة: جمع هلال، وهو القمر في أول ظهوره في مطلع الشهر العربي، أو: هو ما يُرى من المضيء من القمر أول ليلة، وقال الجوهري: إنما يكون هلالاً في أيامه الثلاثة الأول والأخر، ثم هو قمر في بقية ليالي الشهر (2 ) .

 وقد جعل الله الأهلة ميقاتاً للعبادات كالحج والصيام والفطر والأضحى، والمعاملات كالبيع والإجارة والسلم والقراض، ومدة الحمل والرضاع، والعِدد والإيلاء، والنذور والأيمان، وآجال السِّلم والحرب، قال تعالى:{هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات قوم يعلمون} [يونس:5]

وأما رمضان فهو اسم للشهر الكريم، وقيل في سبب تسميته: إنهم لما نقلوا الشهور من اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها فوافق هذا الشهر أيام الحر فسمي بذلك(3  )

 ولكن في كل عام يلتمس المسلمون الهلال لرمضان وشوال وذي الحجة لما يتعلق بهذه الأشهر من العبادات الجماعية والسنن الكونية.

 ويحاول المسلمون أن تتفق كلمتهم ويتحد موقفهم في صيام واحد وفطر واحد، ولكنهم يتفرقون فمنهم من يتقدم ومنهم من يتأخر والله تعالى يقول:{ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين} [الحجر:24].

 فما هو السر في هذا الاختلاف والتفاوت في صيام رمضان حتى يصومه قوم كاملاً و يقتصر منه آخرون على تسعة وعشرين يوماً؟

  أليس هناك وسيلة تجمع المسلمين في صيام واحد وفطر واحد؟ كما قال النبي صلّى الله عليه وسلّم   : (صومكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون) رواه أبو داود والترمذي وصححه.

 القضية متعلقة بالتفريق بين ولادة الهلال وبين رؤيته، والنبي صلّى الله عليه وسلّم علق وجوب الصوم بالرؤية لا بالولادة فقال تعالى: { فمن شهد منكم الشهر فليصمه} [ البقرة:185] أي : فمن أدرك أو حضر، وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم  : (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته) رواه البخاري.

 فولادة الهلال هي لحظة انفصاله عن الشمس وتراجعه عنها بعد ما يُمضي معها يوماً يمَّحِقُ فيختفي في آخر ليلة من الشهر العربي إلى أن تحين لحظة الولادة في ساعة من ليل أو نهار.

والمقصود برؤيته مشاهدته بالعين بعد غروب شمس اليوم التاسع والعشرين من الشهر السابق ممن يُعتمد خبره وتُقبل شهادته، ولا عبرة برؤية الهلال نهاراً ويكون لليوم التالي، فيثبت دخول الشهر برؤية هلاله أو بإكمال عدة الشهر الذي قبله ثلاثين يوماً عند تعذر الرؤية.

 فإذا ولد الهلال فإنه يحتاج إلى مدة 16ساعة زمنية على الأقل حتى يمكن أن يرى بالأبصار المجردة عن المراصد الفلكية، وإذا لم يتم له قبل غروب الشمس هذه المدة المحددة فلا يمكن أن يُرى في ذلك البلد، ويمكن أن يرى في بلد آخر تغرب عليه الشمس بعده، فولادة الهلال لا تختلف بين قطر وآخر، بينما رؤيته تتفاوت بين مطلع وآخر، فإذا لم تمكن رؤيته في دمشق فإنه يمكن أن يرى في تونس أو المغرب بعد مضي المدة الزمنية المحددة على الولادة وهي 16 ساعة.

 ولكن إذا تعذرت رؤيته في دمشق فلا يمكن رؤيته في بغداد أو طهران من باب أولى لعدم تمام المدة الكافية المؤهِّلة لرؤيته في الأفق الغربي.

 وبناء عليه إذا لم يُرَ الهلال في اليوم الأول عند الغروب، ثم رؤي عند غروب اليوم التالي فإنه يُرى كبيراً قد يصل عمره إلى 40 ساعة، فيظن عامة الناس أن الهلال ابن يومين وأن الصيام قد تأخر خطأ وتساهلاً من القائمين على الأمر في شؤون الدين، أو أن الأهواء الشخصية والمصالح السياسية قد تدخلت فأخرت الصيام أو عجلت الفطر في هذا البلد أو ذاك تبعاً للحاكم الذي يسوس الدولة.

 وليس كذلك أبداً فإن مناط الصيام هو الرؤية الحقيقية لا مجرد إمكان الرؤية بوجود الهلال بعد ولادته وانفصاله عن مسار الشمس، يقول القرطبي: لا يعول على كُبر الهلال وصُغره في تحديد غُرَّة الهلال، وإنما هو ابن ليلة الرؤية(4 ) .

وروى ابن عباس رضي الله عنه  عن النبي صلّى الله عليه وسلّم  قال: (إن الله مدَّه للرؤية فهو لليلة رأيتموه) رواه مسلم.

وقد روى عبد الله بن عمر رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم  أنه قال : ( الشهر تسعة وعشرين يوماً فلا تصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فاقدروا له ثلاثين) متفق عليه.

 فإذا لم تتحقق الرؤية الشرعية بالشهود عند القاضي فلا يثبت الهلال، وعلينا أن نكمل العدة ثلاثين يوماً قبل أن ننتقل إلى الشهر الذي يليه سواء في ذلك هلال رمضان وشوال وذي الحجة وباقي شهور السنة الهجرية، وقد روى أبو هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم  قال: (أحصوا هلال شعبان لرمضان) رواه الترمذي.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم  يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان، فإن غم عليه عدَّ ثلاثين يوماً) رواه أبو داود.

 - التماس الأهلة:

وقد أوجب الحنفية كفاية التماسَ هلال رمضان ليلة الثلاثين من شعبان، فإن رأوه صاموا وإلا أكملوا عدة شعبان ثلاثين ثم صاموا(5 ) .

وقال الحنابلة: يستحب ترائي الهلال احتياطاً للصوم وحذراً من الاختلاف(6) .

  - وأما كيفية ثبوت الأهلة: فقد اتفق الفقهاء على أنه يثبت شهر رمضان برؤية هلاله، فإن تعذرت رؤيته يثبت بإكمال عدة شعبان ثلاثين يوماً.

 واشترطوا لإثباته رؤيةَ عدل واحد مطلقاً عند الحنابلة و الشافعية، وكذلك عند الحنفية إن كان بالسماء علة، فإن كانت مصحية فلا بد من رؤية جمع يقع العلم بخبرهم، واشترط المالكية رؤية عدلين كما في باقي الأهلة وسائر الشهادات(7 ) .

 وقد فرق العلماء بين الدخول في الصيام والخروج منه فالدخول في الصيام بإثبات هلال رمضان يكون عاماً فإذا ثبت الهلال في قطر لزم سائر الأقطار ووجب عليهم الصيام عند جمهور الفقهاء من الحنفية المالكية والحنابلة(8 ) .

 بينما اشترط الشافعية اتحاد المطلع بأن يكون بين القطرين أقل من مسافة السفر فيُلزم أحدُهما برؤية الآخرِ للهلال، فإن كان أكثر من ذلك فالعبرة لكل قطر برؤيتهم(9 ) .

  ويستحب لمن رأى الهلال أن يقول: (اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام، هلال خير وبركة ربي وربك الله) رواه الترمذي عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه  .

          وأما في الخروج من الصيام فيشترط شهود أهل كل قطر على حدة، ولا بد من شهادة عدلين اتفاقاً، وإذا ثبت هلال شوال في قطر لم يلزم سائر الأقطار اتباعه بل يتبع كل قطر مطلعه، حتى يصلوا العيد جماعة واحدة دون اختلاف.

          - إثبات الأهلة بالحسابات الفلكية:

وقع الخوض في هذه المسألة منذ أواخر القرن الهجري الأول، وكان سبب الخلاف في هذه المسألة تفاوت الفهم والتفسير لحديث النبي صلّى الله عليه وسلّم  : (فإن غم عليكم فاقدروا له) متفق عليه. فحملها جمهور الصحابة والتابعين على معنى أتموا عَدَّه ثلاثين مطلقاً، وفي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنه  أنه كان يفطر مع الناس ولا يأخذ بهذا الحساب.

وذهب فريق من التابعين إلى تقدير الهلال بالحساب الفلكي ونسب إلى مطرف بن عبد الله بن الشخير وأبي العباس بن سريج من الشافعية وابن قتيبة من المحدثين(10 ) .

 ونقل ابن رشد عن مطرف قال:يعتبر الهلال إذا غم بالنجوم ومنازل القمر وطريق الحساب(11) .

وأما ابن سريج فقد اعتبر قوله صلّى الله عليه وسلّم  : (فاقدروا له) خطاباً لمن خصه الله تعالى بعلم الحساب، وقوله صلّى الله عليه وسلّم  : (فأكملوا العدة ثلاثين) خطاباً للعامة

(12) .

ولكن اتفق فقهاء المذاهب الأربعة على عدم لزوم إثبات الأهلة بالحسابات الفلكية:

فقال الحنفية:  إن شرط وجوب الصوم والإفطار رؤية الهلال، وأنه لا عبرة بقول المؤقتين ولو عدولاً، ومن رجع إلى قولهم فقد خالف الشرع، وذهب قوم منهم إلى أنه يجوز أن يجتهد في ذلك، ويجوز العمل بقول أهل الحساب دون وجوب إذا كان يكثر صوابهم.

فقال ابن وهبان: وقول أولي التوقيت ليس بموجب   وقيل نعم والبعض إن كان يكثر

(13) .

وقال الإمام مالك: إن الإمام الذي يعتمد على الحساب لا يقتدى به ولا يتبع ونقل القرافي قولا آخر للمالكية بجواز اعتماد الحساب في إثبات الأهلة(14) .

أما عند الشافعية: فقد حصر النووي طرق إثبات الأهلة بالرؤية أو بإكمال العد ثلاثين وصرح برفضه الاعتماد على الحساب لأنه حدس وتخمين(15) .

ولكن نقل القليوبي عن العبادي قوله: إذا دل الحساب القطعي على عدم رؤية الهلال لم يقبل قول العدول برؤيته وترد شهادتهم(16) .

وجزم الحنابلة قولهم بأنه لا يعتمد على الحساب الفلكي في إثبات الهلال ولوكثرت إصابته

(17 ) .

واستدلوا جميعاً بما رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنه   عن النبي صلّى الله عليه وسلّم  أنه قال: ( نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا وهكذا وخنس بأصبعه) رواه مسلم يعني مرة ثلاثين ومرة تسعة وعشرين.

 والذي أراه أخيراً أن الأئمة الفقهاء اتفقوا على عدم وجوب الصيام اعتماداً على حساب الفلكيين، ولكن الجمهور غير الحنابلة نصوا على جواز الإثبات بناء على قول علماء الفلك إذا كثر صوابهم وموافقتهم للواقع.

وفي هذا الزمان أصبح علم الفلك أكثر تقدماً وتطوراً ودقة فإنه يحدد الكسوف والخسوف ودرجته ومواضعه وشدته ومدته، وكل ذلك يطابق الواقع مطابقة دقيقة، وبالتالي ينبغي أن يُسخَّرَ علم الفلك لجمع شمل الأمة ووحدتها، و أن نستعين بقول أهل الحساب لنسهل عملية الرؤية ونعتمد عليها، ولكن يبقى الوجوب الشرعي منوطاً بالرؤية الشرعية حصراً لحديث : (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين) متفق عليه.

 وأخيراً: جاء في دراسة فلكية للباحث الفلكي الكويتي د. صالح العجيري : أن هلال رمضان لهذا العام 1432هـ يولد مساء السبت في تمام الساعة 9،40دقيقة حيث يكون شكله منحرفا بانتصاب يسير، وأوضح أن الهلال يمكث عند غروب الشمس  فى الكويت 19د، وفى عواصم مجلس التعاون 21د، وفى مكة المكرمة 26د، ينما يمكث أطول مدة وهى 40د في لاغوس، وأقصر مكث له هو 11د  فى أنقرة.

وقال: إنه بعد إكمال عدة شعبان 30 يوماً لتعذر الرؤية مساء السبت بسبب عدم ولادة الهلال أصلاً، يكون أول أيام شهر رمضان المبارك لهذا العام يوم الاثنين الموافق لـ 1/ آب (أغسطس).

وأضاف أيضاً أن شهر رمضان لهذا العام لا تكتمل عدته ثلاثين يوماً بل سيكون تسعة وعشرين يوماً بعد أن تم عدة شعبان ثلاثين وتأخرت ولادة هلال رمضان وتعذرت رؤيته وبالتالي يكون يوم الثلاثاء أول أيام شهر شوال الموافق لـ 30 آب (أوغسطس) يوم الفطر السعيد (18 ) .

 وفي الختام: فهذه عجالة في أحكام الأهلة وشهود رمضان ووجوب صيامه والفطر بعده أضعها بين يدي القارئ الكريم، اللهم بارك لنا في شهر رمضان وأعنا على الصيام والقيام وغض البصر وحفظ اللسان واجعلنا من عتقائه من النار يا عزيز يا غفار

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب  العالمين

الثلاثاء 25/شعبان/1432هـ الوافق لـ 25/7/2011م                          


 

([1]) تفسير القرطبي: 2/341.

([2]) معجم المصطلحات الفقهية 3/454.

([3]) المصباح المنير مادة (رمض).

([4]) الجامع لأحكام القرآن 2/344.

([5]) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص355.

([6]) كشاف القناع 2/270.

([7]) الموسوعة الفقهية الكويتية 23/140.

([8])حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص359، مواهب الجليل 2/384، والمغني 3/88.

([9]) المجموع للنووي 5/273.

([10]) عمدة القاري 10/261، فتح الباري 1/122.

([11]) المقدمات 1/188.

([12]) مواهب الجليل 2/388.

([13]) رسائل ابن عابدين 1/224، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص358 .

([14]) مواهب الجليل 2/387 ، الفروق للقرافي 2/178.

([15]) المجموع شرح المهذب 6/270.

([16]) حاشية قليوبي وعميرة 2/49.

([17]) كشاف القناع 2/272.

([18]) اقرأ المقال الأصلي علي بوابة الوفد الاليكترونية

                       باحث فلكي كويتي: رمضان يبدأ الاثنين القادم