أخبار


 

كلمة فضيلة الأستاذ إبراهيم حيا في الملتقى المنعقد في قازان

بسم الله الرحمن الرحيم

(مفهوم التعليم الإسلامي وأثره في تكوين شخصية المتعلم)

ورقة عمل معدة للمشاركة في مؤتمر تتارستان قازان الدولي حول التعليم الإسلامي الجامعي في روسيا وما حولها 28- 29 /09/2009م

سأتحدث عن مفهوم التعليم الإسلامي وأثره في تكوين شخصية المتعلم أيا كان اختصاصه

مفهوم التعليم الإسلامي

هو معرفة الفكر الذي كونه المجتمع الإسلامي عبر تاريخه في جميع جوانبه :

الديني و الفلسفي و التشريعي و اللغوي و الأدبي و الفني......

و بالتالي فأي نتاج علمي لأبناء المسلمين هو علم إسلامي لأنه تأثر بتعاليم إسلامية .

و النتاج العلمي المنبثق عن مصدر إلهي اعتقادي هو علم ديني.

و المصدر الرئيسي لعلوم الدين الإسلامي هو القرآن الكريم و السنة المطهرة

و المكتبة الدينية الإسلامية التي جمعت نتاج العلماء عبر التاريخ الإسلامي .

و المعلم الأول للإنسان هو الله الخالق القائل : ( علم الإنسان ما لا يعلم ) العلق 5

و ( الرَّحْمَنُ ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ ، خَلَقَ الْإِنسَانَ ، عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ) الرحمن

فبدأ علم الإنسان منذ خلق آدم عليه السلام خليفة على الأرض فعلمه الله تعالى الأسماء كلها ليتدرج أبناءه بكسب المعرفة فأبدعوا و اخترعوا و بنوا الحياة إلى ما هي عليه الآن في وضعها الراهن .

فنحن ورثنا الأرض و ما عليها من حضارات و علوم من أسلافنا و من الواجب علينا أن نزيد عليها من علومنا و نورثها لأحفادنا .

التعليم الإسلامي الديني يرقى بالنفس الإنسانية و يهذبها و يسمو بها و يسعدها في الدنيا و الآخرة .

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة ))

و هذا العلم فريضة أشار إليه الحديث الشريف

(( طلب العلم فريضة على كل مسلم )) .

أثر التعليم الإسلامي في تكوين شخصية المتعلم

قال الله تعالى:

( قل هل يستوي الذين يعلمون و الذين لا يعلمون ) الزمر 9

الفارق شاسع و مسلم به فهو لا يحتاج لأدلة لأنه يدرك بالعين المجردة و بالمعاملة مع طلاب العلم و غيرهم من خدمة أهوائهم .

ففي طلاب العلم كل خصال الكمال و الأخلاق الحميدة مثل الطموح و الصبر والتواضع ، و أبعد ما يكونون عن نقيض ذلك من الأنانية و التكبر و الغرور ، فهم ورثة الأنبياء السائرون على نهجهم .

و لا فائدة من طالب علم لا يعمل بما تعلم :

لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

(( تعلموا ما شئتم ، فو الله لن تؤجروا حتى تعملوا بما علمتم ))

وقال : (( كل علم وبال على صاحبه ما لم يعمل به )) .

فالعلم مجرد جمع معلومات أشبه ما يكون بالحافظات الإلكترونية و الكتب على الرفوف لذلك نعوذ بالله من علم لا ينفع .

أو ينفع صاحبه الذي يحتكره لنفسه و لا يقدم منه لأمته إلا ما يلبي مطالبه الشخصية الأنانية ثم يموت هذا العلم بموته .

قيل لأحد العلماء فلان حفظ كتاب الأم في المذهب الشافعي فتبسم ضاحكاً وقال :

(زادت نسخة ) .

فالعلم الذي لا يصل تأثيره إلى نفوسنا ، ومن ثم إلى سلوكنا ، ما هو إلا كلام فارغ لا فائدة منه .

إن العلم قارب ينقلك من الجهل إلى شاطئ المعرفة ، من الشقاء إلى السعادة وإذا كان وجودك في أرض الجهل شقاءً فإنه لا معنى لبقائك في القارب ، ولا طائل من المكوث فيه .

أيها الأعزاء :

خشيت أن تظنوا أن المقصود بالعلم الذي حضنا عليه ربنا العظيم ودفعنا إليه رسولنا الكريم هو هذا العلم الذي نحصله اليوم لكسب قوتنا ومعاشنا وضمان مستقبل أبنائنا .

إن هذا العلم الذي تفوق فيه الإنسان وتاه به في هذا العصر الذي يتناول المادة وحدها وصفاً وتحليلاً وتقنيناً وتصنيعاً وتفجيراً لم يستطع أن يصل إلى أعماق النفس البشرية ولا أن يهذبها أو يسمو بها والوقائع التي ترونها أو تسمعون بها أو تقرءون عنها تؤكد هذا.

في بعض المجتمعات بلغ الإنسان من العلم بالمادة كما كبيرا وبلغ من الانحطاط الخلقي والاجتماعي دركاً سحيقاً...

ففي هذه المجتمعات المتعلمة تفككت روابط الأسرة وتمزقت العلاقات الاجتماعية وتلاشت القيم الإنسانية وتفشت الإباحية وانغمس الشباب في المخدرات وانفصل الإنسان عن أهله وعن أسرته وعن مجتمعه وعن وطنه وعن أمته وعن دينه وعن إنسانيته فأصبح لا منتمياً إلى شيء وصار أشبه بالأنعام منه بالإنسان .

أيها الأخوة و الأخوات :

في هذه المجتمعات المتعلمة يقبع العلماء في مخابرهم ليصنعوا المرض والموت لبني الإنسان إنهم يصنعون أسلحة جرثومية وكيميائية تصيب الإنسان بالشلل والهستيريا والانهيار أو تشوه أعضاءه وحواسه .

وفي هذه المجتمعات كانت تلقى المحاصيل الزراعية في عرض البحر أو تتلف في أرضها ليبقى سعرها مرتفعا بينما تعاني الشعوب في قارات أخرى من المجاعات التي تودي بآلاف الضحايا .

وفي هذه المجتمعات المتعلمة تعاظمت السرقة والجريمة حتى بلغت حداً لا يصدق .

في هذه المجتمعات المتعلمة نشبت حروب أودت بحياة ملايين القتلى وهدمت معظم المدن والمصانع .

فالعلم الذي نستخدمـه للإيقاع بين الناس ، والعدوان على أموالهم وأعراضهم ، نوع من الجنوح والانحراف و الجريمة .

فصانع القنبلة الذرية عالم يسعى إلى التدمير والفتك وصناعة المرض والموت يقتل آلاف البشر في ثوان محدودة و يترك المشوهين يعيشون في آلامهم و يفسد الأرض فلا تصلح لحياة إنسان و لا حيوان و لا نبات .

أيها الأكارم:

العلم الذي علمه نبينا صلى الله عليه وسلم لصحابته الكرام رضوان الله عليهم علماً سمت به نفوسهم لقد علمهم علماً جعلهم حكماء علماء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء لقد علمهم علماً صاروا به أبطالاً في كل المجالات حتى سمي عصرهم بعصر الأبطال لقد سمت نفوسهم وزكت قلوبهم وقويت إرادتهم وصعدت ميولهم واتسعت آفاقهم ونمت مشاعرهم الإنسانية .

ما أحوجنا اليوم لمزيد من العلم النافع ( و قل ربي زدني علما ) طه 114

مثل علم فقه الدين قال عليه الصلاة والسلام :

((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ، وإنما العلم بالتعلم))

بل إن التفقه في أحكام الشريعة والعمل بها يُعدُّ أفضل أنواع العبادات . قال عليه الصلاة والسلام:

((ما عُبدَ الله بشيءٍ أفضل من فقه في دين ولفقيه واحد أشدُّ على الشيطان من ألف عابد ، ولكل شيءٍ عماد ، وعماد الدين الفقه)) .

مع احترامنا و تقديرنا للعلماء في التخصصات الكونية و المادية الذين يحققون عمارَة الأرض عن طريق استخراج ثرواتها ، واستثمار طاقاتها ، وتذليل الصعوبات ، وتوفير الحاجات تحقيقاً لقوله تعالى :

( هو أنشأكم من الأرض و استعمركم فيها ) هود 61

وتعلم العلوم المادية ، و الإنسانية و الصحية ، والتفوق فيها قوة ، يجب أن يحققها أبناء المسلمين ، فيواكبوا فيها العالم المحيط بهم و هم جزء منه .

و لا تنسوا أن القلم أبلغ سلاح في يد طالب العلم اليوم ، هو الحق الذي يزهق الباطل و يجابه أعداء الحق والخير والسلام ( إن الباطل كان زهوقا )

ختاما – أحث الأخوة الأكارم طلاب العلم و ورثة الأنبياء السائرين على نهجهم

و أسأل الله أن أكون أحدهم ، و أقول لهم :

توسعوا بالبحث في المكتبة الإسلامية الواسعة لإيجاد الحلول الأكثر تلاؤما مع أبناء مجتمعكم ، فالحلول الضيقة لا تتسع إلا لفئة من المسلمين و تظلم الأكثرية الباقية .

تعلموا من الطبيب الذي لا يصف الدواء دفعة واحدة و لا يعادي المريض غير الملتزم بالحمية و الجرعة الدوائية .

لا تنظروا إلى الناس بمنظار أسود بل انظروا إلى الجوانب المشرقة في المجتمع وساهموا في تنميتها ليتلاشى بها الظلام .

حاولوا الابتعاد عن النقد ما استطعتم , و عن التعصب الديني ، و احذروا الانتقام من المخالفين و إن أخطؤوا فإنهم يعصون الله عز و جل و هو ربهم ربما أن يغفر لهم فيسبقوا إلى جنته .

ادعوا إلى الله بأعمالكم الطيبة حتى تكونوا قدوة للناس فرب حال أبلغ من مقال.

و لا بد لي في نهاية كلامي أن أشيد بدور روسيا الرائد في العالم بالسبق في القضاء على الأمية و التقدم بالكثير من أنواع المعارف و العلوم و دعمها في الآونة الأخيرة للتعليم الإسلامي الجامعي بمناهجه القيمة النافعة .