أخبار


كلمة الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي في الأمسية الفنية 

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين الذي أكرمنا بالعقيدة الإيمانية المهيمنة على العقل، والذي أكرمنا بالوجدان الروحي الذي يهيمن على القلب حباً وشوقاً وتحناناً.

وبعد أيها السادة والسيدات سأبدأ الحديث المختصر إن شاء الله في : ما الفرق بين الغناء والإنشاد؟ وما هو الجامع المشترك بينهما؟ أما الجامع المشترك بين الغناء والإنشاء فهو فيما أحسب اللحن الواقع المتميز الذي يتم إفراغه في ظروف متآلفة منسجمة وأرجع ذلك إلى اللحن والملحن.

والملحن هو الذي يشكل الجامع المشترك بين ما يسمى غناء وإنشاداً. وأما الفرق بينهما، فيتمثل أولا في الكلمات، كلمات الأغنية تعبير عن مشاعر وجدانية طليقة غير منضبطة وغير متزنة ربما وافقت وربما خالفت، أما الكلمات التي ينبغي أن تتلى ولا أقول تتردد بأفواه المنشدين فهي تلك الكلمات التي تنقل الإنسان من اليقين العقلاني إلى المحبة الوجدانية وأعتقد أن خير من يعهد إليه في هذا الواجب نقل مشاعر الإيمان العقلاني إلى الحب الوجداني المهيمن على القلب خير من ينقل الإنسان هذه النقلة هم المنشدون وهذا يقتضي أن تكون الكلمات متضمنة لهذا المعنى ولكي تكون متضمنة لهذا المعنى ينبغي أن نعود بها إلى أناس نطقوا بها من خلال حرقة وجدانية اهتاجت بين جوانحهم ثم إنها تمثلث كلمات على ألسنتهم، وكلما عدنا إلى الوراء لنقف على هذه الكلمات وقائليها كلما أمكن للإنشاد أن يؤدي رسالته هذه التي أتحدث عنها، هنالك كلمات يرددها منشدون أيها الإخوة لأناس ربانيين عاشوا حياتهم عاشوا ووصلوا إلى الله في جناحين جناح العلم وجناح الحب جناح الحب الذي أحرق مهجهم والذي جعلهم يعيشون حالة سكر في كل أوقاتهم مثل سيدي علي الوفا مثل آخرين مثل ابن الفارض.

نعم هذا شيء، الشيء الثاني الذي ينبغي أن يتحقق في المنشد ـ طبعاً أنا قلت الجامع المشترك اللحن والضرب الذي ينبغي أن يتآلف مع هذا اللحن قلتُ هذا، وينبغي أن يكون هناك سباق بين الإنشاد والغناء في هذا المضمار لكن الشيء الآخر أيضا لا بد أن يكون المنشد ذا اتصال بالله، (الإنشاد الصوفي) تقولون الإنشاد الصوفي، إذاً المنشدون ينبغي أن يكون لهم قدم صدق بالتصوف، بالمناسبة أنا لست ممن يوافق على هذه الكلمة الإنشاد الصوفي هذه الكلمة تخلق ردود فعل أيها الإخوة نحن لسنا بحاجة إليها كلمة "التصوف" نحن بإمكاننا أن نتحقق بهذا المعنى دون أن نلح على هذه الكلمة، نعم لا نريد أن نفتح مجالاً لردود الفعل لكن أنا مع هذا المعنى تماماً، طيب لكي يكون إنشاد المنشدين مؤثراً ولكي أكون قد دخلت بحال وخرجت بحال وكثيراً ما يحدث مثل هذا، ينبغي أن يكون للمنشدين شأن وأي شأن مع الله سبحانه وتعالى، ينبغي أن تكون قلوبهم مفعمة بالحب حبّ مَنْ يتحدَّثون عنه لكن كيف يتحقق ذلك؟ أنا أعود إلى الوراء الآن إلى ما قبل أربعين سنة مثلا فأتذكر أن المنشدين كانوا عبارة عن مريدين لمرشدين مثل الشيخ الهاشمي كان له مريدون وكان من جملة المريدين منشدون هؤلاء المنشدون لهم أورادهم ولهم مجالسهم مع الله ولهم خلواتهم بكل معنى الكلمة ثم إنهم منشدون ولكم جلست ولكم جلست أصغي إليهم وأنا أعتقد أن هنالك الكثير من المنشدين لهم فضل عليَّ صاغوا مشاعر قلبي. أجل هؤلاء كانوا يتمتعون بالفن الرائع ولا أريد أن أضرب الأمثلة لا أريد أن أطيل. إذاً المنشدون أيها الإخوة ينبغي أن تكون لهم حال مع الله وينبغي أن يتلمسوا السبيل إلى ذلك أيَّاً كان ولكي يتمتعوا بذلك ينبغي أن تكون لهم مجالسهم مع الصالحين مع الذاكرين مع العلماء وبلدتنا لم تخل من بعض من هذه المجالس.

أذكر أن عالماً من كبار العلماء لا أريد أن أذكر اسمه كان وهابياً سمع أن الشيخ أبا النصر خلف جاء إلى حماة فتشاور مع زميل له مثله هل ندخل ننظر إلى هذا الشيخ ماذا يقول ماذا يدجِّل....إلخ ندخل ؟؟ لا ندخل؟؟ ودخلوا، لما اطمئن بهم الجلوس أشار الشيخ إلى بعض مريديه المنشدين أسمعونا فبدأوا ينشدون هذه الأبيات:

كان لي ظل رسوم

 

فاستوت شمسي فزالا

عشت بالمحبوب حقا

 

بعد ما كنت خيالا


وإذا بهذا الشيخ يصعق ويترامى على أذيال الشيخ، هذه الجلسة نقلته نقلة تامة من حال إلى حال لم يحتج إلى قراءة كتاب لا للغزالي ولا لفلان وإنما الذي هداه المنشدون لكنهم منشدون مرشدون، والمرشد لا بد أن يتوج فنه بالإنشاد يعني بالقدرة الفنية تماماً.

ملاحظات أنا أقولها انطلاقا من ذوقي وأظن أن في الإخوة من يؤيدني في هذا، موضوع الدفّ أنا لا أتحدث عن حلال وحرام نعم هو حلال لا يوجد إشكال فيه لكن أعود إلى العهود الغابرة الشيخ علي الكردي أبو عزات منشد من كبار المنشدين فنان رائع كان يحفظ الأدوار المختلفة لم يكن يستعمل الدف! طه الفشني لا يستعمل الدف! الإنشاد نوعان:

إنشاد خفي من الذي نسمعه في الحضرات وما إلى ذلك، من الحسن أن نستعمل الدف فقط من أجل الإيقاع يعني نستعمل (الدم) فقط نعم أما الإكثار أي: ما يتعلق بدفين وثلاثة وأربعة يستعملها اليوم كثير من المنشدين ثم ما يسمى بـ(الرّق) هذا يطرب أم يعكر الطرب أنا بنظري يعكر الطرب أنا أعلم أن إخواننا المنشدين يتصورون أنهم محرومون من (الأوركسترا) يحبون أن يجعلوا من الدفوف المتعددة ومن الرق عوضا عن (الأوركسترا) في الحقيقة هذا لن يكون عوضا عن (الأوركسترا) (الأوركسترا) شيء يندمج إندماجاً إيجابيا مع الأصوات ومع اللحن نعم أما إذا تكاثرت الدفوف والرق فإنها في الواقع تحدث نوعا من الشغب على أصوات المنشدين أنا هذا رأيي نعم هنالك البعض من الألحان الأخيرة التي سمعناها الآن من الجميل أن تضبط، يضبط إيقاعها فقط لضبط الإيقاع الـ(دم) فقط.

وأخيراً طُلب مني أن أذكر إخواننا المنشدين بأن ارتفاع الصوت إذا زاد عن حده يحجب الآذان عن الطرب الذي يتمتع به هؤلاء المنشدون يعني ارتفاع الصوت يحجب الآذان عن الطرب في الحقيقة ينبغي أن تكون الأمور باعتبارها وأعود فأقول لكم أنا أذكر عهداً مرَّ من حياتنا كنا نجلس مجالس طرب من هذا القبيل موالد وإنشاد والله ما كان يوجد مكرفونات في أحسن الحال مكرفون واحد هنا أو هناك لا نخرج من المجلس إلا والنشوة تطوف برؤوسنا جميعاً، هذه حقيقة أيها الإخوة.

أخيرا أنا أقول باسمي ـ كلفت أن أتكام بلسان ساداتنا علماء الشام ـ فإذا جاز لي أن أتكلم باسمهم جميعاً أقول وأتوجه إلى هؤلاء الإخوة الذين أطربونا بأصواتهم وبألحانهم وبالكلمات التراثية: أجل أشكرهم الشكر الجزيل على هذه الجلسة المتميزة فعلاً وأرجو أن تكون هذه الجلسة بمثابة إقلاع لهذا النوع من الإنشاد إياكم أن تصغوا إلى من يقول: كما أن هنالك تطوراً في الغناء إلى الوراء أصبح يسمى بالغناء الشبابي أيضاً ينبغي أن نطور الإنشاد إلى الوراء!! لا لا أنا أعلم أنا أحتك بالناس وأسألهم هل تطربون؟ أبداً ما سمعت شخصاً يقول نعم هذا هو الطرب الجميل.

عودوا إلى التراث في الكلمات عودوا إلى التراث في الألحان وأنا أعدُّ الأستاذ زهير المنيني من أقطاب تراثنا وإن كنا نتمتع بحياته التي أسأل الله أن يطيلها وأعرف أنه كوالده هو زهرة من زهرات والده نفحة من نفحات والده نفحة ربانية جمع بين الفن والعلم والأدب. فلا أقصد بالتراث يعني أن نترك الحاضر ونعود إلى الماضي نودع الحاضر أسأل الله أن يوجد مثل الأستاذ زهير عشرات وعندئذٍ يكون تراثنا الماضي قد حضر إلى واقعنا الحالي، المهم أن علينا أن نتخيل الكلمات التي سمعناها الآن لسعيد فرحات:

يا من لمن يدعوه سامع

 

وإليه أمر الخلق راجع

يارب عبدك بل ترابك

 

بوسيع العفو طامع

ماذا يضرك عاصيا

 

أو يفيدك وهو طائع

سعيد فرحات كان في الأصل بعيداً بعدئذٍ أقبل إلى الله، أقبل إلى الله إقبالا تاما فكان يتألم من الماضي الذي ودعه إلى غير رجعة كان يردد وهو يقول:

ماذا يضرك عاصيا

 

أو يفيدك وهو طائع

كم أبكاني وهو يقول: (ماذا يضرك عاصياً...إلخ) وهو يناجي الباري عزَّ وجلَّ.

أرأيتم عندما يكون المنشد صاحب نفحة كيف يكون؟ أسأل الله تعالى أن يمتعنا ويمتعكم بجناحين نرقى بهما إلى الله، جناح الإيمان العقلاني وجناح الحب الرحماني لن يصل الإنسان إلى الله بعقل مجرد جاف ولن يصل أيضاً بحب غير منضبط بكوابح العلم، فأسأل الله أن يمتعنا بهذين الجناحين العلم هو سبيل القناعة العقلانية وهذه المجالس هي سبيل تهييج مشاعر الحب لله عز وجل، والسلام عليكم ورحمة الله.