بسم
الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدي رسول
الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وكل عام و أنتم بخير.. يشرفني
في هذه الأمسية الكريمة أن ألتقي مع هذه النخبة من الهيئة
التدريسية في مجمع الفتح الإسلامي الذي أقامه وأنشأه فضيلة
العلاّمة الشيخ محمد صالح فرفور (رحمه الله تعالى) والذي ما
زال يعطي الثمار تلو الثمار من خلال الجهود الطيبة الكريمة
لهذه الأسرة وللسادة العلماء ، وعلى رأسهم فضيلة الأخ الشيخ
الدكتور حسام الدين فرفور و الأخ الكريم الشيخ الدكتور عبد
الفتاح البزم (مفتي دمشق).
الحقيقة أننا نلتقي بمناسبة الاحتفال برأس السنة الهجرية ،
ونحن نعرف جميعاً بأن الهجرة كانت معلماً بارزاً من معالم
الدعوة الإسلامية إلى الله تعالى ، ولم تكن مجرد انتقال خطوات
في الصحراء ، و إنما كانت عبوراً لتخوم الذات وحدود المصير ،
فانطلقت الدعوة الإسلامية إلى الأفاق من خلال هجرة المصطفى صلى
الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة ، ولا شك بأننا اليوم عندما
نلتقي في معهد من المعاهد الشرعية ومجمّع كبير؛ لإطلاق هذه
الدعوة إلى الأفاق فإنني باسم وزارة الأوقاف والعاملين في
وزارة الأوقاف، أقول : بأن منهج العمل بالنسبة للوزارة قد حدده
السيد الرئيس بشار الأسد (حفظه الله سبحانه وتعالى ) في مأدبة
الإفطار التي أقامها تكريماً للسادة العلماء .. عندما قال : إن
العمل المؤسساتي بالنسبة للمؤسسة الدينية هو الطريق الأمثل
لنشر الدعوة الإسلامية إلى الآفاق .
بهذه
التوجيهات الكريمة انطلقت وزارة الأوقاف (أيها السادة)لتعمل
على تحصين الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، من خلال النهضة
الشاملة التي بدأت في المعاهد والمدارس الشرعية في جامعات
القطر العربي السوري .
ولا
بد لي ونحن نجتمع كأسرة تدريسية في هذا المعهد الذي يخرّج
الدعاة والعلماء والأئمة والخطباء من أن أقول : بأن سورية
حفظها الله سبحانه وتعالى بقيادتها الحكيمة للسيد الرئيس
بعلماء بلاد الشام (هؤلاء العلماء الذين حافظوا على الوسطية
والاعتدال) رغم الأمواج المتلاطمة التي تحيط بسورية من كل صوب
ومن كل حدب، إذاً فإن واجب المؤسسة الدينية أولاً وقبل كل شيء
أن تحافظ على هذا التاريخ من الدعوة الإسلامية الذي امتازت به
بلاد الشام، والعنوان هو الحضارة والوسطية التي أرادها الإسلام
وليست تجديداً (كما يقول البعض) فنحن لا يوجد لدينا تجديد (
اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام
ديناً ) ولكن الإسلام بطبيعته التي أنزلها الله سبحانه وتعالى
هو متجدد وهو لكل عصر ولكل حين ( وكذلك جعلناكم أمة وسطاً
لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً ) هذه
الوسطية وهذا الاعتدال (محاربة الفكر التكفيري والتطرف) إنما
هما أساس في الدعوة الإسلامية إلى الله سبحانه وتعالى وهما
الطريق التي خطها رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ البدء
عندما علّم الأمة طريق الدعوة (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة
والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) فكانت هذه العناوين
الأساسية لمناهجنا الشرعية.
وقد
تحدثت مطولاً مع الهيئة التدريسية في كلية الشريعة بجامعة دمشق
وحلب وأيضاً مع الإخوة الكرام في مجلس الإدارة في مجمع الفتح
الإسلامي ومجمع الشيخ أحمد كفتارو (رحمه الله) وبقية المعاهد
بأنه يجب أن ننتبه ويجب أن نحصن المناهج من أي تعابير و أفكار
تبث روح التفرقة بين المذاهب الإسلامية هذا أولاً..
ثانياً يجب أن نبعد الطلاب الذين يتدربون ويتعلمون في بلادنا
(من الطلاب الأجانب أو السوريين) عن الفكر التكفيري الهدّام
والخطر ، هذا الفكر الذي لا يؤدي إلا الحقد ، بينما الدين
الإسلامي علّم الحب بدل الحقد .
هذه
المنطلقات موجودة في مناهجنا ، ولكن هناك بعض الثغرات يجب أن
نلاحظها ونعمل على تلافيها ، وقد بدأت بفضل الله سبحانه وتعالى
هذه الحركة الدؤوبة من قبل السادة العلماء لتحصين المناهج
الشرعية وتحصين الطلاب من الهجمات الوافدة .
أنا
لا أقول بأن الحرب في هذه الأيام هي حرب عسكرية فقط، و إنما هي
حرب فكرية تريد أن تمزق أوصال هذه الأمة من الناحية المذهبية
ومن النواحي الأخرى التي تسعى إلى تفرقة هذه الأمة .
والله
سبحانه وتعالى بين لنا بأن دين التوحيد (هذا الدين العظيم) لا
يمكن أن يسير إلا بتوحيد الكلمة وهذا هو الأساس في مناهجنا وفي
تعليمنا في المدارس الشرعية السورية، التي بقيت وستبقى وستستمر
بإذن الله سبحانه وتعالى متألقة بين كل الدول العربية
والإسلامية.
ونحن
الأن بدأنا بمركز التدريب والتأهيل في وزارة الوقاف إضافة
للمعهد الدولي والمعهد المتوسط.
مركز
التدريب والتأهيل للدعاة بدأ العمل به بإدارة الأخ الشيخ سالم
موسى .. تعمل وزارة الأوقاف من خلال هذا التدريب على تدريب
الأئمة والخطباء في الدول العربية و الدول الإسلامية وبدأ هذا
المعهد بدورة تدريبية لرؤساء المراكز في أندونيسيا، وبعد أيام
سيستقبل رؤساء المراكز الإسلامية في بريطانيا، وهكذا من خلال
خطط مستمرة هذه الخطط ستعطي الصورة الحقيقية والناصعة والواضحة
للإسلام الذي تتميز به بلاد الشام، ولا شك بأن معهد الفتح
الإسلامي وبقية المعاهد الشرعية تعمل ليل نهار من أجل إظهار
هذه الصورة التي نريدها جميعاً للدعوة الإسلامية .
أيها
السادة .. إن وزارة الأوقاف تخطو هذه الخطوات التأهيلية
والتعليمية و التدريبية انطلاقاً من توجيهات السيد الرئيس بشار
الأسد حفظه الله سبحانه وتعالى وانطلاقاً من معرفتها الأكيدة
بأن هذه الوزارة هي وزارة العلم والعلماء وأنها يجب أن تعنى
أولاً بمنابع الخطاب الديني ، فهنالك الكثير من الأقوال التي
انطلقت خلال الأعوام الماضية وخلال 10 سنوات ماضية (في أجهزة
الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة) وفي الخطب والخطباء
الذين يطالبون بالخطاب التنويري والذين يطالبون بتجديد الخطاب
الديني، والحقيقة الكلام ليس عليه حساب، فالكثير من الناس
يتحدثون بهذا الأمر ولكن الفعل ليس هو القول ، بل لا بدّ من
الإشراف الكامل على منابع الخطاب الديني حتى يتطور الخطاب
الديني، وعندما نقول الخطاب الديني فإنما نعني به أسلوب الخطاب
الديني، وليس ( قال الله أو قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
) هذه لا يمكن أن تتغير ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون
) لكن طريقة أو أسلوب المواضيع المطروحة والمطروقة (هموم
المواطن – المساهمة مع الدولة في التطوير وفي التنمية) هذان
واجب السادة العلماء وخطباء المساجد ، الذين يعملون ليل نهار
لأجل إسماع الحق..
لذلك
أيها السادة .. فإن وزارة الأوقاف عنيت بمنابع الخطاب الديني
وبدأت العمل يداً بيد مع السادة القائمين على شؤون المعاهد
الشرعية . في المرحلة الأولى اعتقد البعض بأن وزارة الأوقاف
تريد أن تؤمم هذا العمل وتريد أن تضغط على هذا العمل الشرعي
وتريد محاصرة السادة العلماء، طبعاً ثبت مع الأيام بأن هذا
الكلام غير صحيح ، وإنما وزارة الأوقاف هي المرجعية الأساسية
المؤسساتية التي يعود إليها إدارة شؤون العمل الديني والوقفي
في القطر العربي السوري .
وعندما قامت الوزارة بواجباتها وجدنا السادة العلماء إلى جانب
الوزارة ويعملون جميعاً في ظل قيادة السيد الرئيس بشار الأسد
حفظه الله تعالى من أجل تطوير هذه المعاهد ومن أجل النهوض بها،
ومن أجل أن تكون هي السفير الأساس لبلدنا إلى بلدان العالم
جمعاء وليس فقط إلى البلدان العربية والإسلامية .
أيها
السادة : نحن مطالبون دائما ً بأن نأخذ بالأسباب .. من أهم
دروس الهجرة بأن النبي صلى الله عليه وسلم أُمر بالهجرة من
الله سبحانه وتعالى ( والله يعصمك من الناس ) وهو يعلم تماماً
بأَن الله سبحانه وتعالى ناصرهُ وحاميه، ومع ذلك فإنه أخذ بكل
الأسباب التي تؤدي إلى النتائج ، فعندما نأخذ بالأسباب
التنظيمية و الأسباب التطويرية و أساليب الإشراف و الأساليب
العلمية من أجل تطوير خطابنا الديني ومن أجل تطوير مؤسساتنا
الدينية فإننا نعمل وفق توجيهات الرسول الأعظم صلى الله عليه
وسلم الذي علّمنا من خلال الهجرة كيف نأخذ بالأسباب .
و
إنني أقف معكم وقفة طويلة عندما وقف رسول الله صلى الله عليه
وسلم في داخل منزله قبل الهجرة وقد أحاط المشركون بمنزله عليه
الصلاة والسلام وهو يعلم تماماً بأن دمه سيتفرق بين القبائل إن
تمكن منه هؤلاء الأشداء (أربعون فارساً من قبائل قريش وغيرها)
ومع ذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم بأنه سيخرج سالماً
( وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لا
يبصرون ) ومع علمه بذلك ، والدليل على ذلك أيضاً أنه أخذ حفنة
من التراب (كما قالت الروايات) ووضعها على رؤوس هؤلاء ، أي إنه
كان مطمئناً .. (أخذ بالأسباب وتوكل على الله سبحانه وتعالى).
ونحن
نعمل في الحقل الدعوي لا نقول بأننا عندما نقوم بعملنا بأنه
يكفي أن نتوكل على الله سبحانه، بل لا بدّ من الأسلوب والتنظيم
وأخذ كل الأساليب التي أمر الله سبحانه وتعالى بها والتي
علَّمَنا إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل نصرة
الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى .
وهذا
ما نسير عليه في وزارة الأوقاف ونسأل الله سبحانه أن تكون
الأيام القادمة حاملة للتطوير الأكبر و الأكثر وبدأت الثمار
تظهر .. ونحن الآن بصدد دراسة واقع إحداث معهد عال ٍ للعلوم
الشرعية والعربية ، وتطوير أقسام التخصص في المجمعات الإسلامية
وستأتي هذه الأمور بإذن الله سبحانه في أقرب وقت عندما تنتهي
الدراسة التي تعد لذلك.
أنا
أشكر فضيلة الدكتور حسام الدين الفرفور والهيئة التدريسية في
مجمع الفتح الإسلامي أن أتاح لي هذه الفرصة الطيبة الكريمة لأن
ألتقي مع هذه الوجوه و أهل العلم والعلماء في مجمع الفتح
الإسلامي وأن أبارك لهم العام الهجري الجديد سائلاً المولى
سبحانه وتعالى أن يوفق قائد الوطن السيد الرئيس بشاراً الأسد
لما يحبه ويرضاه والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .