البحث العلمي


بسم الله الرحمن الرحيم
((الإسلامُ والأهدافُ المنشودةُ))

بقلم

الأستاذ الدكتور الشَّيخ حسام الدِّين بن العلاّمة محمَّد صالح فرفور
نائب رئيس جمعيَّة الفتح الإسلاميِّ
رئيس قسم التَّخصُّص والدِّراسات التَّخصُّصيَّة العُليا بمعهد الفتح الإسلاميِّ
أستاذ الفقه المقارَن والفكر الإسلامي المعاصِر


الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصَّلاةُ والسَّلامُ على خاتَمِ النَّبيِّين، وإمامِ المُرسَلين، سيِّدِنا، ونبيِّنا، ورسولِنا، وحبيبِنا، وقُدوتِنا، وقُرَّةِ أعيُنِنا محمَّدٍ، وعلى آلِهِ، وأصحابِهِ، وأحبابِهِ، وأتباعِهِ، ومَن عَمِلَ بسُنَّتِهِ، واستمسَكَ بهَدْيِهِ إلى يومِ الدِّين.

وبعد:

فلا بُدَّ ونحن نُعالِجُ موضوعَ البحث: ((الإسلامُ والأهدافُ المنشودةُ)) مِن أنْ نُبيِّنَ المَطالبَ التاليةَ:

أوَّلاً: ما الإسلامُ؟
الإسلامُ مِن حيثُ الدِّلالةُ اللُّغويَّةُ هو ((الدُّخولُ في السِّلْمِ))، والهمزةُ فيه تدُلُّ على الدُّخولِ في المعنى، وهو هنا ((السِّلْمُ))، كما تُستعمَلُ للدُّخولِ في الزَّمانِ والمكانِ، كقولهم: ((أصبَحَ الرَّجلُ))، أي: دخَلَ في وقتِ الصَّباحِ، و((أَتْهَمَ))، أي: دخَلَ في ((تِهامةَ)) مِن أرضِ العربِ، قال تعالى: {فسبحان الله حين تُمسون وحين تُصبحون} [الروم:17].

كما أنَّ الإسلامَ يدُلُّ على معنى التَّسليمِ لله عزَّ وجلَّ، وعلى هذا فالمُسلِمُ هو مَن أسلَمَ وجهَهُ لله تعالى.

وأمّا مِن حيثُ الاصطلاحُ: فهو دينُ الله الذي ارتضَى لعبادِهِ، وبعَثَ به كلاًّ مِن رُسُلِهِ وأنبيائِهِ، وأَكمَلَهُ برسالةِ خاتَمِ رُسُلِهِ وأنبيائِهِ، محمَّدِ بنِ عبدِ الله بنِ عبدِ المُطَّلبِ الهاشميِّ القُرَشيِّ، صلواتُ الله وسلامُهُ عليه وعلى آلِهِ وأصحابِهِ، وكلَّفَهُ بتبليغِهِ للنّاسِ كافَّةً بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنِهِ وسِراجاً مُنيراً.

ولقد تلَقَّى فيه النَّبيُّ الأعظَمُ محمَّدٌ r عن ربِّهِ القرآنَ الكريمَ، فبَلَّغَهُ كما تلَقّاهُ، وبيَّنَ بسُنَّتِهِ المُطهَّرةِ مُجمَلَهُ، وطبَّقَ بأفعالِهِ الشَّريفةِ نُصوصَهُ، ثمَّ تَلَقّاهُ عنه النّاسُ جيلاً بعدَ جيلٍ كما تَلَقّاهُ هو عن ربِّهِ حتّى وصَلَ إلينا مَحفوظاً كاملاً كما أُنزِلَ، لا ريبَ فيه هُدًى للمُتَّقين، قال تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} [الحجر:9].

ثانياً: خصائصُ الرِّسالةِ الإسلاميَّة، وهي:

الخاتِميَّة
العالَميَّة: {وما أرسلناك إلا كافةً للناس بشيراً ونذيراً} [سبأ:28].
الكمالُ والشُّموليَّة: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً} [المائدة:3].
تجاوزُ الزَّمانِ والمكانِ: وهو مَدلولُ الخصائصِ الثَّلاثِ السّابقةِ.

ثالثاً: بيانُ مُرادِ الله تعالى مِن خَلْقِهِ، وهو أَمرانِ:
العبادةُ، قال تعالى:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56].
العِمارةُ، قال تعالى: {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود:61].

رابعاً: مقاصدُ الشَّريعة:

لقد لَخَّصَ أئمَّتُنا مقاصدَ الشَّريعةِ في ثلاثةِ أمورٍ، هي:
جَلْبُ مَنفعةٍ ـ مصلحة ـ أو زيادتُها.
دَرْءُ مَفسدةٍ ـ مضرَّة ـ أو نُقصانُها.
مُراعاةُ اليُسرِ ودَفعُ الحَرَجِ عن المُكلَّفين.

ولقد جَمَعَها عُلَماؤنا الأقدمونَ في خمسةِ أمورٍ أطلَقُوا عليها (الكُلِّيّاتِ الخمسَ):

حِفْظُ الدِّين
حِفْظُ النَّفس
حِفْظُ العقل
حِفْظُ العِرْض ((النَّسَب)) ((النسل)).
حِفْظُ المال

هذا على خلافٍ بين عُلَماءِ الأُصولِ في هذا التَّرتيبِ، وقد بسَطَ القولَ في المقاصدِ الإمامُ "الشّاطبيُّ" في ((الموافقات)) مِن الأَقدمين.

على أنَّنا نَرَى ـ كما رآهُ بعضُ المُعاصرين ـ أنَّه يمكنُ توسيعُ المقاصدِ الشَّرعيَّةِ مِن الكُلِّيّاتِ الخمسِ إلى المَجالاتِ الأربعةِ التّالية بحيثُ تَشمَلُ:

مقاصدَ الشَّريعةِ فيما يَخُصُّ الفَردَ، وفيه المقاصد الخمسة المذكورة آنفاً.
مقاصدَ الشَّريعةِ فيما يَخُصُّ الأُسرةَ، وفيه سبعة مقاصد، هي:

المقصد الأول:
تنظيمُ العلاقة بين الجنسين: بحيث تكون محصورةً في صورة واحدة هي الزَّواج بعيداً عن الزّنا والشّذوذ ((اللواط والسحاق)) والإغراء.

المقصد الثاني:
حفظُ النَّسل ((النّوع))، فقد شرطت الشَّريعةُ أنْ تكون العلاقة الجنسية بين فردين من جنسين مختلفين؛ بحيث تؤدّي إلى الإنجابِ وحفظ النّسل واستمرار الإنسانيّة.

كما حرّمت الشَّريعةُ ـ لأجل ذلك ـ الإجهاضَ إلا في حالات الضّرورة القصوى، وحرّمت وأد البنات، وحرّمت الخصاء للرِّجال، والرَّهبانية، وقطع أرحام النِّساء مما يؤدي إلى انقطاع النسل.

المقصد الثالث:
تحقيق السَّكن والمودة والرَّحمة: فقد شرع الإسلام لتحقيق هذا المقصد أحكاماً للمعاشرة بالمعروف بين الزَّوجين وآداباً للجماع وغير ذلك، مِمّا يُوفّر دفئاً وحناناً ومشاعرَ إنسانيّة راقية.

المقصد الرابع:
حفظُ النَّسب، وهو مقصد مستقل يضاف إلى حفظ النَّسل، ولذلك حرّم الإسلامُ الزِّنا والتبني، وكتم النساء ما في أرحامهنّ، وأوجب العدّة بشروطها، وأقرَّ أحكام إثبات النَّسب وجحده على ما هو مبين في مواضعه عند الفقهاء.

المقصد الخامس:
حفظ التّدين في الأسرة وهو مسؤولية ربِّ الأسرة أوّلاً، ثم الوالدين ثانياً ثم مؤسسات الدَّولة ثالثاً، {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} [طه: 132].

المقصد السادس:
تنظيم مؤسسةِ الأسرة؛ بحيث يكون الأصل فيها الدَّيمومة وتنظيم العلاقات بين أطرافها. ((قوامة، مشورة، طاعة)) ولم يقف الإسلامُ عند حدود الأسرة بمعناها الضّيق، بل تعداها إلى الأقاربِ والأرحامِ والمصاهرات، وهي: ((الأسرة الموسعة)) فرتّب العلاقات الشَّاملة لكلِّ هذه الأطراف، وشَرعَ لها أحكاماً مفصّلةً تشمل التَّحليلَ والتَّحريمَ والعلاقات العاطفيّة والاجتماعيّة.

المقصد السابع:
تنظيم القضايا الماليّة للأسرة، حيث حدّدت الشَّريعة أحكام المهور ثم النَّفقة على الزَّوجة، والأولاد، والمطلقة، والحاضنة، والمُرضع، والأقارب، كما بيّنت أحكامَ الميراثِ والوصيةِ والأوقافِ الأهليّة ((الذُّريّة)) وتحملِ الدّيةِ على العاقلةِ، والوصايةِ وأحكامَ الولايةِ على المال.

3ـ مقاصدَ الشَّريعةِ فيما يَخُصُّ الأُمَّةَ: وفيه سبعة مقاصد هي:

المقصد الأول:
التنظيمُ المؤسسيّ للأمة: فالأمّة في المصطلح الإسلاميّ كيانٌ يمتاز بخصائصه وتنظيماته ومقوّماته، على أنَّ الشَّريعة لم تأخذ بفكرة ((الشَّخصية المعنوية)) هذا المفهوم المفترض الّذي جعل الدَّولة الحديثة تتضخم حتى تصبح كالوحش المفترس، وتطغى على حقوقِ الأفرادِ، بل على مؤسسات المجتمع كله.

وقد أكدت الشَّريعة على أمور هامّة تتعلق بوحدة الأمّة على النَّحو التَّالي:

  • تدعيم وحدة الأمّة الممثلة في وحدة العقيدة والشَّريعة ولغة القرآن.

  • وهنا نحفظ للجمهورية الإسلامية الإيرانية جعلها اللغة العربيّة لغة إلزامية في التَّعليم مما لم يفعله كثير من الدُّول الإسلامية غير العربيّة.

  • وعلى هذا فوحدة العقيدة لا تنفي وجود فِرَقٍ متنوعة في بعض مسائل العقيدة مما يدخل في الاجتهاد تحت الأصول الإسلامية العامّة.

  • كما أنَّ وحدة الشَّريعة لا تنفي مذاهب فقهية متعددة، كما لا تنفي وجود اتجاهات سياسيّة متعددة ذوات برامج مختلفة ضمن إطار الأصول الإسلامية العامّة.

  • كما أنَّ وحدة اللغّة لا تنفي اللهجات، كما لا تنفي استعمال اللغات القومية أو المحلية إلى جانب لغة القرآن الكريم.

  • على أنَّ قبول هذه التّعددية يجب أن يكون ضمن ضوابط لا تسمح بالخروج عن الأصل المتفق عليه، وهذا ما يحتاج إلى تحديد وتفصيل.

المقصد الثاني:
حفظ الأمن: {وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} [قريش: 4].
وهو بهذا المعنى يشمل أمنَ الأمة داخلياً وخارجياً مِمّا هو مبين في بابه.

المقصد الثالث:
إقامةُ العدلِ على جميع المستويات، بحيث يشمل العدل الدّولي ـ فيما بين الدُّول ـ والعدل في القضاء ونظام الحكم، والعدل الاجتماعي فيما بين الأفراد، والجماعات، والمؤسسات، إضافة إلى عدل الإنسان مع ربه ونفسه وأسرته، {ولا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8].

المقصد الرابع:
حفظ الدّين والأخلاق، وذلك إنّما يكون بإقامةِ الدِّين وما فيه من أحكام وتشريعات وآداب وأخلاق، وهو مسؤولية الأمّة كلها حاكمين ومحكومين، ولهذا جاء الأمرُ بالمعروف والنّهي عن المنكر في نصوص الكتاب والسّنة: ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده... إلخ)) الحديث، ((إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)).

هذا ومن الأخلاق ما هو من الضروريات ـ في نظري ـ كالصّدق والأمانة ـ لأنَّه يتوقف عليهما بقاء الأمّة وصلاحها، ومنها ما هو دون ذلك كالآداب العملية التي يمكن اعتبارها من التحسينيات.

المقصد الخامس:
التَّعاون والتَّضامن والتَّكافل: وهذا يشمل كل المجالات؛ الثّقافية والاجتماعية والسِّياسية والاقتصادية شريطة أن يكون في إطار التَّعاون على البر والتَّقوى، وعدم التَّعاون على الإثمِ والعدوان، {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة:2]، ((مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى)).

المقصد السادس:
نشر العلم والفقه في الدين وحفظ عقل الأمة.

فأوّل آية نزولاً في القرآن {اقرأ} وبعدها ذكر العلم والقلم: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}[العلق: 1ـ5].

وأما الفقه في الدين فقد عرَّفه الإمام أبي حنيفة رحمه الله ورضي عنه وعن جميع الأئمة والسلف الصالح بقوله: ((الفقه معرفة النفس ما لها وما عليها))، وهذا يشمل علم الحياة حقوقاً وواجبات وآداباً وأخلاقاً.

وأما حفظ عقل الأمة فيشمل أمرين اثنين:

1 ـ حفظها من الإفساد العضوي كتحريم المسكرات والمخدرات.
2 ـ
حفظها من الإفساد المعنوي كنشر الأكاذيب والباطل وما تقوم به وسائل الإعلام من عمليات غسيل المخ الجمعي للأمة ومحاصرة العقول بحيث لا تعطيها إلا ما تريد مما هو بعيد عن الحق والحقيقة، وكذلك إشاعة مناهج التفكير الفاسدة.
ولذلك يدعو الإسلام إلى منهج التفكير السديد الذي يقوم على التزام العلم والحق والحقيقة والفضيلة.

المقصد السابع:
عمارة الأرض وحفظ ثروة الأمة، وهو يتفرع من أحد مقاصد الشريعة للإنسانية، وهو بالمصطلح المعاصر يساوي ((التنمية)) فالإنسان هو خليفة الله في الأرض، ولكي يحقق هذه المهمة لا بد أن يقوم بعمارة الأرض بالخير والنهي عن الشر، وهو مطالب بالإنفاق من مال الله الذي استخلف فيه {وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ}[الحديد: 7].

وفي الحديث: ((المال مال الله وأنا عبد الله)) أورده القاضي عياض في كتابه الشفا.

وهذا واجب شرعي تشترك فيه الأمة أفراداً وجماعات ومؤسسات مجتمع ومؤسسات دولة، وهو يشمل مختلف الأمور المالية في الإسلام كالزكاة المفروضة، وصدقة التطوع، والوصايا، والأوقاف وما تشمله في مختلف المجالات ـ التعليم، الصحة ـ كالمدارس والجامعات ومراكز البحث العلمي والمراصد والمستشفيات بأنواعها ونزل المسافرين (الفنادق) وسبلان مياه الشرب وغير ذلك من المرافق مما هو مفصل في كتب الوقف مما أخذه الغربيون من فقهنا فتقدموا، وقصر عنه المسلمون فتأخروا.

ومن معاني التنمية وعمارة الأرض تحريم الاعتداء على البيئة والإنسان والحيوان والماء والشجر والزرع والبنيان حتى في الحروب فضلاً عن حالة السلم.

وصية أبي بكر الصديق رضي الله عنه لجيش أسامة وهو يستعد لقتال الروم: ((لا تقتلوا طفلاً، ولا امرأة، ولا شيخاً، لا تقطعوا شجراً، لا تحرقوا زرعاً، لا تهدموا بنياناً، وستمرون على أناس قد نذروا أنفسهم للعبادة فذروهم وما نذروا أنفسهم من أجله، قاتلوا من قاتلكم، واتركوا من ترككم، سيروا على بركة الله)).

والحديث: ((إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها))، هذا وفي فنون العمارة الإسلامية الشاخصة حتى عصرِنا الحاضر خيرُ شاهدٍ على ما نقول.

مقاصدَ الشَّريعةِ فيما يَخُصُّ الإنسانيَّةَ: وفيه خمسة مقاصد:

المقصد الأول:
التعارف والتعاون والتكامل: آية {لِتَعَارفُوا} [الحجرات:13] وفي الحديث: ((كلكم لآدم وآدم من تراب))، و((لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى)).

المقصد الثاني:
تحقيق الخلافة العامة للإنسان عن الله في الأرض: وهنا لا بد من التنبيه على أن الإنسان بشكل عام هو خليفة الله، لا فئة بعينها أو عرق بعينه، أو أمة بعينها، بل الإنسانية جمعاء، وهذا يدحض دعوى ((شعب الله المختار)) وما فيها من عنصرية وباطل.
وقد سبق الحديث عن هذين المقصدين عند الكلام على مقاصد الشريعة فيما يخص الأمة.

المقصد الثالث:
تحقيق السلم والأمن العالميين القائمين على الحق والعدل.
لا شك أن الأصل في العلاقة بين المسلمين وغيرهم هو: ((السلم لا الحرب)) وأنَّ الإسلام كان أول شريعة حرمت الحرب إلا في حالات خاصة ووضعت الضوابط والتنظيمات والقواعد لهذا الموضوع.

فالإسلام من اشتقاقه هو دخول في السلام {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} [الأنفال:61].

وأمّا ما شاعَ عند بعض الفقهاء مما يِشعرُ بأنَّ الأصلَ في علاقةِ المسلمين بغيرهم هو الحربُ فهو اجتهادٌ لا تعضدُه نصوص الكتاب والسُّنة ولا مقاصد الشَّريعة {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] فكيف يكون المصطفى r رحمةً للعالمين ويكونَ الأصل في علاقته بغير المسلمين الحرب والقتال بغيرما ضرورة؟.

وماذا نصنعُ بالآياتِ التي تنصُّ على حريَّة الاعتقاد {لا إِكْرَاهَ في الدِّين} [البقرة: 256] {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ} [الغاشية: 21 ـ 22] {أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [يونس: 99].

أمَّا ادعاء أنَّ هذه الآيات وما شابهها منسوخةٌ بما سموه ((آيةَ السَّيف))؛ حيث اعتبروها ناسخةً لحوالي مائتين من آياتِ القرآنِ الكريم فهو يشبه أن يكون تحكماً لا يقوم عليه دليلٌ ـ في نظرنا ـ.

وقد ذهبَ الإمامُ أبو حنيفة وكثيرون من أهل العلم إلى خلاف هذا وقرروا أنَّ مسوغَ القتال هو: ((الحرابة والعدوان)) من الكافرين للمسلمين لا ((كفر الكافرين)).

وأمَّا ما استشهدَ به مَنْ قال بأنَّ الكفرَ بحدِّ ذاته هو مُسوِّغٌ للقتالِ وأنَّ الأصلَ حالة الحربَ لا السّلم فقد وضعَ النّصوص في غير سياقها وفهمَ منها ما لا يُفهم، وأعرض عن نصوص أخرى تخالف ما ذهبَ إليه.

هذا وإنَّ السَّلامَ العالميَّ الذي يَقصِد إليه الإسلامُ لا يتحقّق إلا بشرطين هما: الحقُّ، والعدلُ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً} [البقرة: 208] {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [الحديد: 25]

وقد كان الإمامُ محمدُ بنُ الحسن الشّيباني تلميذ الإمام أبي حنيفة أوَّل من ألف في القانونِ الدُّولي؛ حيث ألف كتابين: الأوَّل: السير الصغير، والثَّاني: السير الكبير، وقد شرح الإمام السرخسي الكتاب الثَّاني: السير الكبير، وهو مطبوع في أربع مجلدات، وقد سبقَ الإمامُ محمدُ بذلك ((غروسيوس الهولنديَّ)) الذي لُقّب في الغرب ((أبا القانون الدّولي)) بحوالي ثمانية قرون.

وقد حثَّ الإسلامُ على الوفاءِ بالعهودِ والعقود، مما يؤكّد احترام المعاهدات الدُّولية التي تّشكِّلُ المصدرَ الأساسيَّ للقانونِ الدُّولي بين الدّول.

المقصد الرابع:
الحماية الدولية لحقوق الإنسان.
إنما يطلق عليه حقوق الإنسان هو في الإسلام ضرورات إنسانية وفرائض ربانية أنزلها خالق الإنسان وهي بهذا المعنى جزء من حقوق الله تعالى على عباده.
فالاعتداء على الإنسان هو اعتداء على الله تعالى؛ ذلك لأن الإنسان كما ورد في الأثر ((الإنسان بناية الله)) الحديث.
فقتل الإنسان هدم لبناية الله تعالى واعتداء على حقوقه.

ولقد انفرد القرآن الكريم في اعتبار قتل النفس البشرية بغير حق كقتل البشرية جمعاء بقوله تعالى: {مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً} [المائدة: 32]

هذا وإن تحرير الإنسان من العبودية للإنسان إنما هو نتيجة أساسية لعقيدة التوحيد ونفي الشرك بكل صوره وأشكاله وهذا ما فعلته الفتوحات الإسلامية في الشعوب التي كانت مستعبدة من قبل الإمبراطوريات الظالمة العاتية في الشرق الأدنى وفي الأندلس في جزيرة إيبيريا حيث حرروا القوط من حكامهم الظالمين ((الفيزيوقيوط)) وأعادوا توزيع الأراضي على الفلاحين أهل البلاد، وأسقطوا عنهم الضرائب والإتاوات، ورفعوا عنهم الظلم والاستعباد.

كما أن نصرة المستضعفين في كل مكان وحماية الحريات والحقوق ـ وفي مقدمتها حرية الفكر والعقيدة ـ مما اهتم به وحثّ عليه الإسلام.

المقصد الخامس:
نشر دعوة الحق ((الإسلام)) في العالم.

إنَّ الدَّعوة إلى الإسلام إنما هي في الحقيقة دعوة إلى سعادة الإنسان لذلك كان هذا المقصد هو أهم مقاصد الشريعة في المحيط الإنساني العام لتبليغ الإسلام باعتباره رسالة عالمية موجهة للناس كافة، يقع عبء تبليغها على المسلمين.

وهاهنا أمور هامة تتعلق بالدعوة لا بد من ذكرها والوقوف عندها، هي:

  1.  إن جوهر هذه الدعوة هو التنبيه على وحدانية الله تعالى، ووجوب عبادته وحده، وطاعة أوامره، وترك منهياته.

  2. إن الحوار العقلاني المنطقي بالحكمة والموعظة الحسنة هو المنهج السديد الذي ألزم الله تعالى به الدعاة بقوله: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)(النحل: من الآية125} [النحل: 125].

  3. عدم الإكراه في الدين أو الإجبار عليه عملاً بقوله تعالى: {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة: 256] وعلى الإنسان أن يحمل مسؤوليته بين يدي الله تعالى يوم الحساب.

  4. أهل الكتاب ((اليهود والنصارى)) باختلاف طوائفهم ومذاهبهم لهم منزلة خاصة في الإسلام ومعاملة خاصة، {وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [العنكبوت: 46] وقوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ}
    [البقرة: 62].

ومن هنا كانت دعوة الإسلام إلى أهل الكتاب إلى {كلمة سواء} قائمةً.
ومن واجب المسلمين رعايتها والمحافظة عليها وجعلها جزءاً من سياستهم العالمية في الدعوة.

على أن هذا المقصد يدور حول تحقيق قوله تعالى:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] وقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً} [سبأ: 28].

وإذا كانت الدعوة قديماً تحتاج إلى سفر الدعاة واتصالهم المباشر بالناس فإن وسائل الاتصالات الحديثة قد أضافت أبعاداً أخرى من خلال المطبوعات والمنشورات والإنترنت والإذاعات المسموعة والفضائيات المرئية، وذلك إضافة إلى وسائل المواصلات السريعة كالطائرات والقطارات والسيارات.

على أن هذه الوسائل الحديثة لا تغني عن الاتصال الشخصي وإرسال الدعاة العلماء المخلصين الذين تتمثل فيهم القدوة الحسنة في صدق حالهم وإخلاصهم وحسن سلوكهم، وحكمة تصرفاتهم وفهمهم للعصر وثقافته وأهله وما أندرهم في مجتمعات المسلمين اليوم ـ ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ـ.

كما أن على هذه الأمة اليوم أن تتخذ كل الأسباب لإعداد جيلٍ من الدعاة إعداداً خاصاً، يجمع إلى عمق الفقه في الدين سعة في الثقافة، ودقة في الفهم، واتزاناً في الشخصية، وصدقاً في الحال، وإتقاناً للغات الشعوب التي يبعثون إليها، ودراسة لمناهج تفكيرهم وطريقة حياتهم، ومعرفةً بالمداخل الصحيحة إلى عقولهم وقلوبهم.

هذا وإنَّ الأمّة الإسلاميّة اليومَ مسؤولةٌ عن ضياعِ العالمِ وضلال الأمم؛ لتعطيلها شريعة الله فيها، وتقاعسها عن تبليغ رسالة ربّها إلى العالم، ولسوف تُسأل بين يدي الله عن ذلك: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ} [الصافات: 24].

ولعلَّ ما حلَّ بهذه الأمّة من تكاثر الأعداء وتداعيها عليها يجعلها تصحو من رقادها وتستيقظ من سباتها قبلَ فواتِ الأوانِ لتعودَ إلى ما كانت عليه من العزّة والمجدِ والكرامةِ، وتستحق شرف الخيرية {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}
[آل عمران: 110].

تفعيل المقاصد:
بعد هذه الجولة السريعة في مقاصد الشريعة لا بد أن ندعو إلى تفعيل هذه المقاصد واشتمالها على مرتبتين هامتين هما:

  • مرتبة ما دون الضروريات.

  • مرتبة ما وراء التحسينيات.

  • وذلك إضافة إلى المراتب الثلاثة التي نص عليها فقهاؤنا وهي:

  • الضروريات.

  • الحاجيات.

  • التحسينيات.

كما تجدر العناية ببحث ترتيب المقاصد فيما بينها وإشكالية هذا الترتيب، ومحاولة البحث عن المعايير والموازين الدقيقة في ذلك.

هذا وما أشد افتقار الدراسات الشرعية اليوم والدراسات القانونية لدراسة المقاصد لا سيما في تنظيم شؤون المجتمع وعلاقة الدولة به وبالأفراد.

كلُّ ذلكَ مشروطٌ بأنْ ننطلق من النُّصوص تفهماً وتفقهاً، وغوصاًَ واستنباطاً، لا سطحية واستظهاراً، ونقف عند القواعدِ دون تحجّر أو تكلس، ونراعيَ المقاصِد تحقّقاً لا توهّماً.

على أنْ نَنطلِقَ مِن النُّصوصِ تَفقُّهاً وتَفهُّماً، وغَوْصاً واستنباطاً، فنَقِفَ عندَ القواعدِ تَمسُّكاً لا تَكلُّساً، ثمَّ ننتهيَ بمراعاةِ المقاصدِ تَحقُّقاً لا تَوهُّماً.

خامساً: الأهدافُ المنشودةُ في الإسلام

نستطيعُ أنْ نُوجِزَ الأهدافَ المنشودةَ في الإسلامِ بعدَ هذهِ الجولةِ في المقاصد في هدفَينِ رئيسَينِ، هما:

سعادةُ الإنسانية في دُنياها.
نجاتُها وفوزُها برضا الله ونعيمِهِ في أُخراها.

وهذان الهدفان الرئيسان يستلزمان أموراً كثيرةً أهمُّها:

التَّوحيدُ الخالصُ لله تعالى بعيداً عن الشِّركِ الخَفيِّ والجَليِّ وذلكَ من خلال تحقيقِ العبوديّة والعبادة الخالصتين له سبحانه {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة:5].

إحقاقُ الحَقِّ كما نزلَ مِن عندِ الله وإبطالُ الباطلِ {وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ}[الشورى:24]،{وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ} [الكهف:29].

نشرُ العدلِ ومُحاربةُ الظُّلمِ والقَهرِ والبَغي {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة:8]، {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل:90].

الدَّعوةُ إلى السَّماحةِ والمحبةِ ونَبذ العصبيَّةِ، والعُنصُريَّةِ، والأحقادِ، والأضغانِ بينَ بني البَشَرِ، وذلك بالتَّذكيرِ بوَحدةِ الأُسرةِ الإنسانيَّة {يا أيُّها النّاسُ إنّا خَلَقناكم مِن ذكرٍ وأُنثَى} [الحجرات:13] وأن يكون الكره والبغض لكفر الكافرين وسوء أفعالهم لا لذواتهم: {إني لعملكم من القالين} [الشعراء: 168] أي: المبغضين.

إقرارُ الخصائصِ والفوارقِ بينَ النّاسِ مِن لونٍ، وعِرقٍ، ولغةٍ وغيرِ ذلك، قال تعالى: {ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرضِ واختلافُ أَلسِنَتِكُم وأَلوانِكُم إنَّ في ذلك لآياتٍ للعالِمين} [الروم:22]، {وجَعَلناكم شُعوباً وقبائلَ لِتَعارَفُوا} [الحجرات:13].

التَّعدُّديَّةُ وقَبُولُ الآخَرِ، قال تعالى: {ولو شاءَ ربُّكَ لجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحدةً ولا يَزالُونَ مُختلِفين إلاّ مَن رَحِمَ ربُّكَ ولذلك خَلَقَهم} [هود:118 ـ 119]،
وقال تعالى: {ولو شاءَ ربُّكَ لآمَنَ مَن في الأرضِ كُلُّهُم جميعاً أفأَنت تُكرِهُ النّاسَ حتّى يكونوا مؤمنين} [يونس:99]، وقال تعالى: {قل يا أيُّها الكافرونَ لا أعبُدُ ما تعبُدُونَ ولا أنتم عابِدُونَ ما أعبُدُ ولا أنا عابدٌ ما عبدتم ولا أنتم عابدونَ ما أعبُدُ لكم دينُكُم وليَ دين} [سورة الكافرون]

الأمرُ بالتَّعارفِ بينَ بني البَشَرِ {لتعارفوا}، وهذا التَّعارفُ يقتضي التَّقاربَ لا التَّباعدَ، والتَّآلفَ لا التَّخالفَ، والتَّعاونَ لا التَّنافرَ.

8 ـ المساواة بين بني الإنسان بالنسبة للإسلام بالنَّظر إلى عقيدته وشريعته، بحيث تطالب به جميع الأجناس والطوائف، دون نظرٍ إلى ما بينهم من فروقٍ شخصية، كذكورة وأنوثةٍ، وبياض وصفرةٍ وسوادٍ، أو فروق اجتماعيةٍ كرئاسةٍ ومرؤوسيةٍ وحاكميةٍ ومحكوميةٍ، وغنىً وفقر، أمّا درجات القرب من الله تعالى فتتبع درجات قوّة الإيمان والاستقامة على شريعته: {إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم} [الحجرات: 13]، {ليس بأمانيّكم ولا أماني أهل الكتاب مَنْ يعملْ سوءاً يُجْزَ به ولا يجدْ له من دون الله ولياً ولا نصيراً ومَنْ يعملْ من الصالحات من ذكرٍ أو أنثى وهو مؤمنٌ فأولئك يدخلون الجنة ولا يُظلمون نقيراً} [النساء: 123 ـ 124]

ومن ذلك مساواة المرأةِ الرجلَ في المسؤولية الدِّينيّة:

وهي في ذلك ذات مسؤوليةٍ مستقلّةٍ عن مسؤولية الرّجل، بحيث لا يضرّها فسادُهُ إذا صلحت، ولا ينفعها صلاحه إذا فسدت، {ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأت نوحٍ وامرأت لوطٍ كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحَين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئاً وقيل ادخلا النّار مع الداخلين وضرب الله مثلاً للذين آمنوا امرأت فرعون إذ قالت ربِّ ابنِ لي عندك بيتاً في الجنة ونجّني من فرعون وعمله ونجّني من القوم الظالمين} [التحريم: 10 ـ 11].

هذا ولا تعارض بين هذه المساواة وبين الأحكام التي أقرها الإسلام للرّجل من درجة القوامة والولاية وتعدد الزّوجات بشروطه والطلاق واختلاف النُصُب في الميراث وغير ذلك مما تقتضيه الفطرة والمصلحة كما هو مبسوطٌ في كتب الفقه الإسلامي.

الدَّعوةُ إلى التَّقوى ومكارمِ الأخلاق {إنَّ أكرَمَكم عندَ الله أتقاكم} [الحجرات:13]، {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون} [النحل: 90].

10 ـ الدَّعوةُ إلى الرَّحمة والتراحم: {وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين} [الأنبياء: 107] لقد دعا الإسلام إلى الرّحمة والتراحم بين بني البشر في نصوص الكتاب والسنة ((الرَّاحمون يرحمهم الرَّحمن، ارحموا مَنْ في الأرض يرحمكم من في السّماء))، وهي مطلقةٌ تعمُّ المؤمن والكافر والصالح والطالح، قد ورد وصفه تعالى بـ:((الرَّحمن الرَّحيم)) في فاتحةِ الكتابِ التي تُقرأ في كلِّ صلاةٍ كما أنَّها جزءٌ من البسملةِ المفتتحِ بها سُور القرآن الكريم، وقد وردت كلمة ((الرَّحمة)) باشتقاقاتها في مئات المواضع من القرآن الكريم لا سيما إذا عددنا البسملة آيةً من صدر كل سورة، كما قرر ذلك كثيرٌ من العلماء إلاّ سورة ((براءة)).

هذا وإذا كانت رسالة السّيّد المسيح قد امتازت بالدَّعوة إلى المحبّة فإنَّ رسالتنا الإسلاميّة قد امتازت بالدَّعوة إلى الرَّحمةِ والتراحم فضلاً عن المحبة، وبذلك فالإنسان ـ في الإسلام ـ مطالبٌ بأنْ يرحم مَنْ يحُب ومن لا يحب تأسّياً بالله تعالى وتخلقاً بأخلاق رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم: {بالمؤمنين رؤوف رحيم} [التوبة: 128].

ما وراء الأهداف المنشودة

في نهايةِ المطافِ لا بُدّ لي من دعوةِ أهلِ الحَلِّ والعقد من فقهاء وعلماءَ، ومسؤولين وحكامَ وأمراء إلى وحدة الأمّة ونبذ الفُرقة بين أهل الملّة، فإنَّ أخطرَ ما يهدد كيانها هو الحالة التي تعيشها من تفرّق وتمزّق واختلافٍ في الدّين والفكرِ والسّياسة ـ ونحن هنا إذ ندعو إلى وحدة الأمة إنما نتحدث عن وحدة الصف الإسلامي وليس عن دولة إسلامية واحدة أي: إننا نستخدم المدلول الاصطلاحي لكلمة الوحدة لا الدستوري نظراً للظروف المحيطة بالأمة الإسلامية حالياً.

وهنا ندعو إلى ما يلي:

1 ـ فتح الأبواب بين مختلف المذاهب الإسلامية.
2 ـ
مدُّ الجسور بين أتباعها من المسلمين.
3 ـ
تجميد صراعات الأمة التي خلت.
4 ـ
إغلاق ملفات الخلافات التي لم يعد لإحيائها إلاّ تمزيق الأمّة، وفتّ عضدها، وإهدار قدراتها، وضعفها أمام عدوها، {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم} [الأنفال: 46]
5 ـ
التَّعامل مع القضية من باب الاتفاق، لا من مدخل الاختلاف، بعيداً عن عصبية مذهبيّة أو عنصريّة سياسيّة تقدم على وحدة الأمّة.
6 ـ
مراعاة أنَّ التَّاريخ حمّال أوجه كالفقه.
7 ـ
أنْ تتعاون الأمّة فيما اشتركت فيه، ويعذر بعضها البعض الآخر فيما اختلفت فيه، بحيث يحتفظ كل فريق بخصوصياته ويعمل الجميع في ظل وحدة الأمة لتحقيق المصلحة العليا لها.

وهنا لا بد من التنبيه على أمرين:

الأول:
أنَّ الدعوة إلى وحدة الأمة أمر إلهي بنصوص الشريعة كما أنه ليس ابتكاراً أو ابتداعاً، ولكنه حلقة في مسيرةٍ بدأها آخرون ممن التقوا على التقريب بين أهل المذاهب وعملوا لها منذ نصف قرن فيما نعلم شريطة صحة النيات، ونبلي الأهداف بعيداً عن قصد التبشير في الطرف الآخر تحت شعار التقريب.

الثاني:
أنَّ الدعوة إلى وحدة الصف لا تعني دمج مذاهب المسلمين في مذهب واحد أو فرقة واحدة، أو إلغاء المذهبية، فنحن لسنا ممن يدعو إلى ذلك، ولكن نستهدف توفير سُبل التعايش الكريم بين أتباع المذاهب في غير خصومة أو بغضاء أو عصبية، والتعامل مع هذه المذاهب باعتبارها مدارس فكريّة، وليست ((فرقاً متباغضةً أو ميليشيات متناحرةً)) مستظلين تحت ظل أخوة الإيمان والإسلام: {إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم} [الحجرات: 10] وقوله صلوات الله عليه وسلامه وعلى آله وأصحابه: ((لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)).

وإذا حاولنا تحويل هذه الدعوة إلى مشروع عملي فإننا نراها على النحو التالي:

1 ـ توحيد الصف بين ((المتصوفة)) ومن يسمون أنفسهم ((السلفية)) بحيث يبتعد كل عن الغلو، ويلزم الوسطية والاعتدال في منهجه الفكري والاعتقادي، فلسنا بحاجة إلى سلفية حمقاء تكفر أهل القبلة لأدنى شبهة أو ملابسة، كما أننا بغنى عن صوفية خرقاء تشطح في فهم النصوص إلى ما يوهم الكفر أو يقاربه، بل ندعو إلى محجة بيضاء وحنيفية سمحاء تشبه ما كان عليه المسلون الأولون عباد الله الصالحون، {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون} [الأنبياء: 105].

2 ـ وحدة الصف بين المذاهب التي لا تختلف فيما بينها في أمور هامة من الأصول الاعتقادية وهم الممثلون لأهل القبلة، وهذه المذاهب هي (أهل السنة، والشيعة الجعفرية الإثنا عشرية، والزيدية، والإباضية في عمان والشمال الإفريقي).

3 ـ أما الجماعات والطوائف المعدودة في أهل الإسلام المنسوبة إليه وهي تختلف مع أهل القبلة في أمور هامة من الأصول الاعتقادية فإن العلاقة معها تحتاج إلى مناقشة وبحث وتفصيل، بحيث يفرق بين ما يمكن أن تحاسبهم عليه الأمة الإسلامية، وبين ما ينبغي أن يوكل الحساب فيه إلى الله تعالى، وفي كل الأحوال لا بد بعد ذلك من قبولهم كأطراف في الواقع الإسلامي للأمة أمام أعدائها المتربصين بها بحيث تحتويهم مظلة الإسلام في نهاية الأمر.

4 ـ إن المعركة بين ((الإسلاميين)) و((العروبيين)) في كثير من البلدان لا سيما في الخليج وفي فلسطين ـ من قبل ـ أدت إلى الاشتغال عن المعركة مع الإسرائيليين، كما أدت إلى محاولة استيلاء المعسكر العلماني والماركسي على المعسكر العروبي على حين أن مكانهم الطبيعي هو ((الوسطية الإسلامية))، وإن الصراع من هذا النوع أمر محزن بكل المقاييس.

وصفوة القول: إن الدعوة إلى تجاوز الصراعات القديمة وإغلاق ملفاتها والانصراف بعقول وقلوب مفتوحة إلى الحاضر والمستقبل هي مطلب لازم تقاس به إيجابية العمل العام وصحته.

إننا بصدد هذه الدعو الخطيرة حتى نخطو خطوات إلى الأمام عملاً بقوله تعالى: {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون} [التوبة: 105]

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا ورسولنا وحبيبنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

د. حسام الدين فرفور