Untitled Document

الثلاثاء 2017/11/21

  • chef cook slide show
  • chef cook slide show
  • chef cook slide show
  • chef cook slide show
  • وارتقى نجم آخر

  • د. محمد محمد بدوي وهبة






قليلون هم الذين يتركون في حياتك أثراً، ويحفرون في ذاكرتك ذكرياتٍ لا يمكن أن تمحوها الأيام وتعاقب السنين .. فكيف إذا كان لأحدهم في قلبك محبةٌ وإعجابٌ، وكنت تشعر أنَه فوق كونه معلماً لك ومدرّساً مربٍ عطوف وصاحب فضلٍ عليك؟ 

عندما يرحل عالم جليل كان في الأرض نجماً منيراً يهتدي الناس بعلمه، وترتفع روحه الطاهرة إلى السماء تنتابك مشاعر عديدة، هي بين الذكريات الجميلة والألم على الفراق.. بين البسمة على مشاهد مضت، والحرقة على واقع حدث.. إنها الغصة الممزوجة بالحمد لله على أنك كنت أحد المريدين لشيخٍ كبير.

هذا ما شعرت به اليوم؛ إذ عادت بي الذكريات إلى عقود خلت، كان ذلك عام 1980 وفي أول حصةٍ درسيةٍ لي في معهد الفتح الإسلامي بدمشق (ما بين حيي باب السلام والقيمرية)، دخل علينا أستاذ بهامةٍ مرفوعة، ومنكبين عريضين، قد نيّف على الخمسين، تعلو وجهه ابتسامة محيّرة، هي مزيجٌ بين الحب والتأديب مع التعليم والتربية. علمنا بعد قليلٍ أنه أستاذ القرآن والتجويد.. ولم يضيّع وقتاً، بل طلب إلى أحدنا أن يقرأ شيئاً من القرآن الكريم، كان يصحح له الألفاظ ويبيّن الأحكام تلاوةً، أعترف أنني دهشت للطريقة التي أدار بها الدرس، فقد اختلف الأمر عليّ كثيراً ما بين درسه وما كنت ألفته في المدارس النظاميّة.

وتوالت دروس الشيخ، وكنا نزداد تعلّقاً به وبدرسه؛ لأن ذلك الدرس كان مزيجاً بين العلم والمرح، الرضى مع الأدب والتأديب.. كنا نسمع منه ألفاظاً لا نسمعها إلا منه هو، وبطريقة لا يجيدها إلا هو... كانت عباراته تبعث فينا رغبةً مع رهبة.. خوفاً مع بسمة.. وكنا نتحيّن درسه لسماع المزيد.

 لا أذكر أنّ أحداً في الصف سلم من تعليقاته اللاذعة المحببة، ولم ينل نصيبه من تسديداته اللفظية المحكمة. بل إننا كنّا نفتعل المواقف ليتحفنا بالمزيد، ولعلّ أحدنا تطاله كلمة نضيفها إلى قاموسنا الذي جمعنا كلماته منه فقط.. وحتى لو طالتنا يده الحانية كنّا نبتسم ونضحك ونشعر أننا أمام أبٍ حنونٍ ومربٍ صادقٍ حريصٍ علينا. كنا نتندّر بتلك العبارات التي يطلقها.. وكان الفالح فينا والمُجيد من يستطيع أن يقترب من تقليد شيخنا أبي حامد (أحمد نوناني) الشهير ب قتابي. كان صفنا مزيجاً من جنسياتٍ متعددة، وكان لكلٍ منا لفظة خاصة تصدر عنه، وربما صدرت منه عبارات هي وابل من التأديب باللهجات واللغات المختلفة. وكان يفرحنا درسه كثيراً ونشتاق طريقته كما تشتاق الأرض العطشى إلى المطر. كنا ندخل الصف بعد الفرصة كالعرضة (العراضة) تتعالى أصواتنا وتعلو صيحاتنا إلا إذا كان الدرس الآتي لشيخنا أبي حامد .. فلقد عوّدنا أن ندخل إلى الصف فنجده قد سبقنا، فهو من ورعه لا يضيّع دقيقةً من الحصة الدرسية .. يعطي بأمانة ويعلّم بإخلاص.. لذلك كنا ندخل الصفً وكأنّ على رؤوسنا الطير، لكنّ الابتسامة تعلو محيانا.

أدركنا مع مرور السنوات أنه أكبر من أستاذ مدرّس، بل هو المربي والمؤدب والحنون.. ولما كبرنا أكثر وتدرّجنا في سنوات الدراسة اكتشفنا أنه كان نحويّاً عالماً بالفقه وأصوله، متقناً لعلم الفرائض (المواريث) ذا مقدرة علمية في علومٍ شتى، حتى عندما أصبحنا مدرّسين في معهدنا (معهد الفتح الإسلامي) كنّا نهابه ونحبه.. ونرجو أن ينالنا شيء من فيض تعليقاته وعباراته المحببة، لكنه كان يسفر دائماً عن تواضعٍ جمٍّ وإنكارٍ للذات لا نكاد نجدها عند الكثيرين.

شيخنا أبو حامد من أساتذتي، كنت أحسد الطلاب الذين يدرّسهم موادّ أخرى في شعبٍ أخرى غير شعبتي، أفخر أنني تتلمذت وتربيت وتعلمت منه، وعشت في زمن عاش فيه.

 اليوم رحل عنّا هذا النجم، وآبت روحه الطاهرة إلى بارئها.. وأظن أنّه الآن يبتسم كما عهدته دائماً، فأحسبه وليّاً ولا أزكي على الله أحداً. فلقد كان صالحاً عالماً نذر حياته للعلم والتعليم ودفع الدنيا عن نفسه بصدره وكلتا يديه..

كان متواضعاً بكل ما تحمله الكلمة من معنى.. بعيداً عن المظاهر الكاذبة والخادعة. . كان عالماً حقيقياً، وصوفيّاً معتدلاً، ومربيّاً فاضلاً، حريصاً على الجيل.

رحمك الله يا أستاذنا الجليل، فلقد تركت في ذهن كلّ واحد منا ذكرى عطرة، لم تدخل الدنيا وتخرج منها كحال الكثيرين دون أيّ أثر.. بل إن أثرك وزرعك واضح جلي.

أرجو لك الرحمة والرضوان وأن يجعلك الله بفضله في  عليّين.

All right reserved by ALFATIH 2014