Untitled Document

الثلاثاء 2017/11/21

  • chef cook slide show
  • chef cook slide show
  • chef cook slide show
  • chef cook slide show
  • المولد النـبوي

  • الشيخ محمد خير الطرشان






وُلِدَ الحبيبُ وخدُّهُ متــورِّدٌ
        والنورُ من وَجَناته يتوقَّــدُ

جبريلُ نادى في منصَّة حُسنِهِ     
        هذا مليحُ الوجهِ هذا الأوحـدُ

هذا جميلُ النعتِ هذا المرتضى      
        هذا جليلُ الوصفِ هذا أحمدُ

قالت ملائكةُ السماءِ بأسرهم      
        وُلدَ الحبيبُ ومثلُه لا يولَـد



ولادة النور
من رحم الظلام يولد النور ...
في أعماق الصحراء ، هناك في الأفق البعيد من الجزيرة العربية ، حيث أسدلت الشمس لهيبها المحرق  ..
في خلجات نفوس القبائل العربية التي فقدت خصائص إنسانيتها ..
ومن قلب جزيرة عانت من الجهل و المرض ..
كانت تصاريف القدر على موعد وحيدٍ في بزوغه ، فريدٍ في مهمته ، عظيمٍ في غايته
هو الرحمةُ المهداةُ و المِنَّةُ التي
        يَمُـنُّ بها المولى على خلقه طُرَّا

لكَ الحمدُ يا ربَّاهُ أَرسلتَ أحمدا
        فأَطْلَعْتَ في ليلِ الجَهالةِ ذا البدرا

لما أخذت أشهر الحمل بالسيدة الشريفة آمنة بنت وهب تتقدم وهي تترقب الوليد الذي حملته في بطنها تسعة أشهر، ولما بلغ الكتاب أجله، وبعد تسعة أشهر أذن الله للنور أن يسطع  ، وللنسمة المباركة أن تخرج إلى الكون، لتؤدي أسمى وأعظم رسالة عرفتها الدنيا في عمرها الطويل...
ولد رسول الله يتيـماً  
        مـات أبوه عبد الله

كان جميل الوجه وسيماً  
             فتبارك من قد سوَّاه

ماتت أمه بعد سنينَ       
        تركَـتْهُ لجدٍٍّ يرعــاه

كان رقيق القلب رحيماً    
        بعنـايته يتـولاَّه

عاش رسول الله أميناً     
          منذ طفولته وصباه

يتعبد في العزلة حينـاً     
        يدعو ويناجى مولاه

أو يرعى الأغنام حنوناً     
           ويتاجر في أرض الله

معجزات الولادة :
أخرج ابن سعد في الطبقات أن أم رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قالت:
" لما ولدتُه خرج مني نور أضاءت له قصور الشام "
ولما ولدته أمه أرسلت إلى جده عبد المطلب تبشره بحفيده، فجاء مستبشراً ودخل به الكعبة، ودعا الله وشكر له، واختار له اسم ( محمد ) ليحمده أهل الأرض و السماء.


النجمةُ سَألتْ باسمــــةً في الليـلِ القمرا
        مادمتَ من الأرضِ قريـباً تَسـمعُها وترى

من جــاء إلى الدنيـا يوماً ، فهدى البَشرا ؟
        من أعظمُ إنسانٍ كان ، وأسمى أثـرَا ؟

النجمةُ سألتْ ، وانتظرتْ ، ماذا سيُجيبْ؟
        والقمرُ السائرُ في الظُّلْمةِ يبدو ويغيبْ

قد أسعدهُ صوتٌ حلوٌ ، صوتٌ محبوبْ
        بسؤالٍ فاجأه حقَّاً ، فالأمـرُ عجيبْ

وابتسم القمرُ الفِضِّيُ سُروراً ، وتفكَّرْ
        ومضى يتأمَّلُ في الدنيا ، ومضى يتذكَّرْ

وتذكَّرَ اسماً محبوباً  كالعطرِ  وأكثرْ
        قد جاء الناسَ فأنقذهم بالخيرِ  وبَشَّرْ

وأجاب بصوتٍ مبتهجٍ ، وأعادَ  وأنشدْ
        إني يا أختاهُ لأَشْهَدُ ، والعالمُ يشهدْ

أعظمُ إنسانٍ في الدنيا قد كان محمَّدْ
        قالت: أنا أعلمُ ياقمري ، لكنْ أتأكَّدْ

وُلد الهدى وانتشر نوره في بقاع الأرض ليفوح شذاه في أرجاء المعمورة.. وليعلن أن عصر الجاهلية ولَّى و ذهب إلى غير رجعة ، بولادة سيد الخلق محمد  في قلب مكة المكرمة ..
حيث شعَّ نوره ليتلقاه كل ذي قلبٍ سليمٍ بالقَبول والود.. وتألقت أنواره ورفرفت في الأرجاء لتتنزل الرحمات على كل قلب يعشقه..


أغرٌّ، عليه للنبوة خاتم
        من الله مشهودٌ يلوح ويشهد

وضمَّ الإلهُ اسم النبي إلى اسمه
        إذا قال في الخمس المؤذن أشهد

وشق له من اسمه ليجله
        فذو العرش محمودٌ، وهذا محمد

إنه المصطفى .. والحبيب المجتبى .. حبيب الأرواح وطبيب القلوب.. هادي النفوس إلى بارئها.. والآخذ بيدها إلى الجنان..


نبيٌّ أتانا بالكتاب مبشراً
        فكان لنا حصناً و آياتُه ذخرا

وأنزلهُ الباري على خير مرسَلٍ
        فأمسى لنا نوراً و أضحى لنا فجرا

وأنقذَنَا من غفلةٍ و جَهالةٍ
        محونا به تلك الضلالةَ و الكفرا

إنه تبسم الزمان.. لنسْمةٍ من نسل عدنان.. إنه مُشوِّقنا إلى الجنان..
خير من جاء الوجود.. ورحمة للخلق من الله الودود ..


وُلِدَ الهُدى فَالكائِناتُ ضِياءُ
        وَفَمُ الزَمانِ تَبَسُّمٌ وَثَناءُ

الروحُ وَالمَلَأُ المَلائِكُ حَولَهُ
        لِلدينِ وَالدُنيا بِهِ بُشَراءُ

وَالعَرشُ يَزهو وَالحَظيرَةُ تَزدَهي
        وَالمُنتَهى وَالسِدرَةُ العَصماءُ

وَحَديقَةُ الفُرقانِ ضاحِكَةُ الرُبا
        بِالتُرجُمانِ شَذِيَّةٌ غَنّاءُ

وَالوَحيُ يَقطُرُ سَلسَلًا مِن سَلسَلٍ
        وَاللَوحُ وَالقَلَمُ البَديعُ رُواءُ

نُظِمَت أَسامي الرُسلِ فَهيَ صَحيفَةٌ
        في اللَوحِ وَاسمُ مُحَمَّدٍ طُغَراءُ

نشأته يتيماً..
في مكة المكرمة نشأ.. و بجوار الكعبة المشرفة تربَّى .. وعلى رمالها درج وكبر وترعرع..  مات أبوه وهو في بطن أمه.. فكان أول يتيم يقدم للعالم رسالة السماء ، رسالة النور و الضياء ..


نِعمَ اليَتيمُ بَدَت مَخايِلُ فَضلِهِ
        وَاليُتمُ رِزقٌ بَعضُهُ وَذَكاءُ

في المَهدِ يُستَسقى الحَيا بِرَجائِهِ
        وَبِقَصدِهِ تُستَدفَعُ البَأساءُ


ولدته آمنة بنتُ وهب .. وربته حليمة السعدية .. وحضنته أم أيمن بركة الحبشية ..
توفيت أمه آمنة و هو في السادسة من عمره ، فانتقل  إلى جده عبد المطلب ليكفله ويرعاه رعاية مميزة ، وكان يقول في شأنه:
(( و الله إن لابني هذا شأناً..))..
وفي الثامنة من عمره توفي جده عبد المطلب ، فانتقل إلى كفالة عمه أبي طالب
في التاسعة من عمره.. سافر عمه أبو طالب إلى بصرى الشام فأخذه معه ، وهناك التقى الراهب ( بحيرا ) و رأى خاتم نبوته بين كتفيه الشريفتين..
فأقبل على عمه أبي طالب فقال له: من هذا الغلام ؟
قال أبو طالب: إنه ابني .
فقال بحيرا: ما هو بابنك ، وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حياً.
فقال أبو طالب: إنه ابن أخي.
فقال بحيرا: ارجع بابن أخيك إلى بلده ، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم..


درَجَ الطفـلُ و الهدايـةُ تحبو   
        هُ بتـاجٍ من السناءِ فريـدِ

و بحيرا في الدير يضربُ في النَّـ  
        ـاقوس بشرى بالسيد المنشودِ

و الذوؤاباتُ من قريشٍ سُكارى
           في هوى الجاهليِة العِربيـدِ

......


الصادق الأمين..
شب رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة، والعنايةُ الإلهية تحفظه من أفعال الجاهلية، فكان أفضلَ شباب قومه مروءة، وأكرمهم نسباً، وأحسنهم جواراً، وأشدهم حلماً، وأصدقهم حديثاً، وأعظمهم أمانة، وأبعدهم عن الفواحش ، حتى عرف بين قومه بالصادق الأمين، فإذا ما أراد أحدهم سفراً، وخشي على أمواله ، وضعها عند الصادق الأمين محمد ( صلى الله عليه وسلم ) .


بِسِوى الأَمانَةِ في الصِبا وَالصِدقِ لَم
        يَعرِفهُ أَهلُ الصِدقِ وَالأُمَناءُ

يا مَن لَهُ الأَخلاقُ ما تَهوى العُلا
        مِنها وَما يَتَعَشَّقُ الكُبَراءُ

لَو لَم تُقِم دينًا لَقامَت وَحدَها
        دينًا تُضيءُ بِنورِهِ الآناءُ

زانَتكَ في الخُلُقِ العَظيمِ شَمائِلٌ
        يُغرى بِهِنَّ وَيولَعُ الكُرَماءُ

قصته مع الحجر الأسود :
لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم الخامسة والثلاثين من عمره، أي قبل بعثته بخمس سنين، تعرضت الكعبة للهدم، بسبب سيل شديد انحدر إلى البيت الحرام، أوشكت الكعبة منه على الانهيار، فاضطرت قريش إلى تجديد بنائها حرصاً على مكانتها بين قبائل العرب، فتنازع القرشيون فيما بينهم من الذي يضع الحجر الأسود في مكانه، واستمر النزاع أربع ليال أو خمساً، واشتد حتى كاد يتحول إلى حرب في أرض الحرم، إلا أن أبا أمية بن المغيرة المخزومي عرض عليهم أن يحكَّموا فيما شجر بينهم أول داخل عليهم من باب المسجد، فقبلوا، وشاء الله أن يكون ( محمداً )  صلى الله عليه و سلم أول داخل ، فلما رأوه قالوا‏:‏ هذا الصادق الأمين، قد رضينا به ( هذا محمد ) .. فلما انتهى إليهم، أخبروه الخبر، فطلب رداء ووضع الحجر وسطه وطلب من رؤساء القبائل المتنازعين أن يمسكوا جميعاً بأطراف الرداء، وأمرهم أن يرفعوه، حتى إذا أوصلوه إلى موضعه أخذه بيده فوضعه في مكانه..


والحجرُ الأسـودُ بينهمْ
        قـريبُ المدى بعيدُ الـمنالِ

وأطل الأمين ، قالوا يـا
        أحمدَ الخير يا كريمَ الخصالِ

من ترى دونـنا أحقُّ بهذا
        المجد قلها صريحةً لا تبالي

قال لا تجرحوا النبيل من الـ
        ـمسعى بهذا التناحر القـتالِ

كلكم بـالغٌ مُناهُ وكلُّكم
        سـوف ألقاه مـطمئن البالِ

دونكم والبـسـاطَ شُـدُّوهُ
        وقوموا بأقدس الأحمالِ

واتْبَعُوني، وكانتِ الإمرةُ الـ
        مُثلى وكانوا لها أداةَ امتثالِ

وحَنَوْا للأمين زين الميامين
        رؤوسَ الإكـبارِ والإجلال

تجارته.. وزواجه من خديجة..
بدأ محمد بن عبد الله يبني نفسه ويشعر بمسؤلياته ، فأقبل على العمل بالتجارة ، وكان في مكة امرأة شريفة وجيهة ذات شرف ومال ، تستأجر الرجال ليتجروا بمالها، هي خديجة بنت خويلد رضي الله عنها ...


تاجُ القداسة والجلال
        وعرائسُ الحسن الغوال

وكواكب الشرف الرفيع
        تدق أبراج الكمال

والمال لا يحصى لديها
        والجمال ذرا الجمال..

والعز ملك يمينها
        وجميع ما تبغى تنال

والطهر تاج جميلة
        تثرى به عرش الجلال

والعفة الزهراء درع
        للجمال من الدلال

والعقل يستبق النهى
        برزانة تزن الجبال

والرأى سهم صائب
        بالحق فى الأمر العضال

فلما بلغها عن محمد صلى الله عليه وسلم صدق حديثه, وعظم أمانته, وكرم أخلاقه, عرضت عليه أن يخرج في مالها إلى الشام تاجراً وتعطيه أفضل ما تعطي غيره من التجار، فقبل وسافر معه غلامها ميسرة، وقدما الشام، وباع محمد صلى الله عليه وسلم سلعته التي خرج بها، واشترى ما أراد من السلع، فلما رجع إلى مكة وباعت خديجة ما أحضره لها تضاعف مالها.


هذا محمد الأمين
        تراه فى عين الخيال

زوجا به تسمو الحياة
        ويزدهى عقد الكمال

قد أرسلته على تجارتها
        فصال بها وجال..

و أتى لها بأمانة
        مثلى و تشريف و مال

و الناس تلهث فى الهجير
        و تستجير و لم يبال

فالله أرسل غيمة
        نثرت على الهادى الظلال..!

بنسيمها و صفائها
        تبعته فى كل ارتحال

ورأت خديجة في مالها من البركة ما لم تر قبل هذا ، وأُخبرت بشمائله الكريمة، ووجدت فيه زوج المستقبل, فتحدثت بما في نفسها إلى صديقتها نفيسة بنت منبه، ذهبت نفيسة إلى محمد تذاكره أن يتزوج خديجة ، فما كان منه إلا الثناءُ عليها ، وعرض الأمر على أعمامه، فوافقوا ، وخرج معه عمه حمزة بن عبد المطلب فخطبها إليه، وتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصدقها عشرين بَكرة (ناقة) ، وكانت أول امرأة تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يتزوج غيرها حتى ماتت رضي الله عنها ، وقد ولدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم غلامين هما: القاسم، وبه كان صلى الله عليه وسلم يكنى، وعبد الله، ويلقب بالطاهر والطيب. وقد ماتا طفلين.. وأربع بنات، و هن: زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة، وقد أسلمن وهاجرن إلى المدينة وتزوجن.


وَيدُقُّ قلبُ خديجةَ
        والحُبُّ يستَبِقُ المُحالْ

طَلَبَتْ يَدَيهِ من السماء
        وكان أشبهَ بالخيال..!

وَسَمَتْ لنورِ "محمَّدٍ"
        تَرجُوهُ زَوجاً في الحلال

فيُجِيبُ مَولاها الدُّعاء
        وقَدْ بَدا صَعبَ المنال

"فمُحمَّدٌ" و"خديجةٌ"
        زوجانِ ما لَهما مِثال

فإذا ذَكَرْتَ محاسناً
        فهُما المَحاسِنُ لا جِدال

الأمُّ سيدةُ النِّساء
        وزوجُها خيرُ الرِّجال

قد أنجَبَتْ خيرَ النساء
        وخيرَ أربعة غوال

أمثالَ "فاطمةَ" البتول
        و"أمَّ كلثومِ" الجَمَال

و"رُقَيَّةَ" النورِ الوضيء
        و"زينبَ" الأَسْمَى مِثال

 
غار حراء ..
عشق محمد بن عبد الله الخلوة وحُبِّبتْ إليه ، فكان يتعبد الله في غار حراء وكانت سنه تدنو نحو الأربعين..  فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخلو بغار حراء، يتحنث فيه الليالي ذوات العدد، قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى فجأه الحق، وهو في غار حراء، فجاءه الملك، فقال له اقرأ.. ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ* خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ* اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ* الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ* عَلَّمَ الإنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾


إنِّي لأذْكُرُ كيف كانَ مُحمَّدٌ
        يَقضِي الليالي ناعِمَ الوجدانِ

في الغارِ يَنعَمُ سابحاً و مناجياً
        متفكراً في رَوعة الأكوانِ

يتأمَّلُ الكونَ البديعَ نظامُهُ
        والليلُ ساجٍٍ مُفعَمُ الأشجانِ

وتنزَّلَ الوحيُ العظيمُ بيانُهُ
        متدفقاً في قلبه الظمآنِ

(اقرأ) كتابَ الله ، لستُ بقارىءٍ
        اقرأ بربكَ خالقِ الأكوانِ

اقرأ و تلكَ مكانةٌ لم يُعطَها
        غيرُ النبيِّ المصطفى العدنانِ

من غار حراء كانت البداية .. منطلق الدعوة إلى العلم و النور و الهداية ..لتشرق الأرض بعدها بنور على نور..
آيات ارتجف منها فؤاد المصطفى  و خشع ، لشدة وقعها على نفسه، لأنه وعى أنها حملته مسؤولية الأمة ، وأنها آيات التكليف السماوي بالرسالة إلى البشرية جمعاء ..
عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السيدة خديجة وهو يقول: زملوني زملوني..
فزملوه حتى ذهب عنه الرَّوْع و الخوف ، فقال لخديجة وقد أخبرها الخبر، فقالت:
(كلا.. والله ما يخزيك الله أبداً.. إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق..)
لا تحزن يا رسول الله        فأنت خير خلق الله        وأكرم عباده ورسله    
    أنت سيد المرسلين           وخاتم الأنبياء والصديقين    
    أنت حبيب رب العالمين


فمضى يخفُّ إلى خديجةَ زوجِهِ
        مترقباً في حيرةِ الوجْلانِ

فإذا به يجدُ السعادةَ و الرضى
        و تقرُّ في تطمينها العينانِ

تاللهِ لا يُخزيكَ يا علمَ الهدى
        يا واصلَ الأرحام و الجيران

يا مسعفَ الفقراء في آلامهم
        يا مكرمَ الأيتام و الضيفانِ

فكأنما كلماتُها في لينها
        شهدٌ ، و في التأثير سحرُ بيانِ

بتلك الكلمات الحانية طمأنت السيدة خديجة زوجها المصطفى بعد أن رأت خوفه..
ثم أخذته إلى ابن عمها ورقة بن نوفل، وكان قد تنصر في الجاهلية، فسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال له: (هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى، يا ليتني كنت فيها جذعاً، ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك)، فقال المصطفى: (أوَ مخرجي هم؟)، قال: (نعم، لم يأت رجل بمثل ما جئت به إلا عودي.. وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً)..
ثم أنشد ورقة:


وَوَصْفٌ مِنْ خَدِيجَةَ بَعْدَ وَصْفٍ
        فَقَدْ طَالَ انْتِظَارِي يَا خَدِيجَا

بِبَطْنِ الْمَكّتَيْنِ عَلَى رَجَائِي
        حَدِيثَك أَنْ أَرَى مِنْهُ خُرُوجَا

بِمَا خَبّرْتنَا مِنْ قَوْلِ قُسّ
        مِنْ الرّهْبَانِ أَكْرَهُ أَنْ يَعُوجَا

بِأَنّ مُحَمّدًا سَيَسُودُ قَوْمًا
        وَيَخْصِمُ مَنْ يَكُونَ لَهُ حَجِيجًا

وَيَظْهَرُ فِي الْبِلَادِ ضِيَاءُ نُورٍ
        يُقِيمُ بِهِ الْبَرِيّةُ أَنْ تَمُوجَا

فَيَا لَيْتِي إذَا مَا كَانَ ذَا كَمْ
          شَهِدَتْ وَكُنْت أَوّلَهُمْ وُلُوجَا

وُلُوجًا بِاَلّذِي كَرِهَتْ قُرَيْشٌ
        وَلَوْ عَجّتْ بِمَكّتِهَا عَجِيجَا

فَإِنْ يَبْقَوْا وَأَبْقَ تَكُنْ أُمُورٌ
               يَضِجّ الْكَافِرُونَ لَهَا ضَجِيجَا

وَإِنْ أَهْلَكَ فَكُلّ فَتًى سَيَلْقَى
        مِنْ الْأَقْدَارِ مُتْلِفَةً خُرُوجَا

فاصدع بما تؤمر..
ثم بدأت الدعوة إلى الإسلام سراً في البداية.. ثم جاء الأمر بها جهراً.. ﴿فاصدع بما تؤمر﴾ [الحجر:94]..
وأسلم العديد من رجالات  قريش ، و بدأ يشع نور الإسلام و الهداية ، مما أقلق راحة كبراء قريش ، فبدؤوا محاولاتهم مع النبي محمد ، لتحويله عن أداء مهمته ، و اختاروا لهذه المهمة عمه أبا طالب ، فبعث أبو طالب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره بخبر القوم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وَاَللّهِ لَوْ وَضَعُوا الشّمْسَ فِي يَمِينِي وَالْقَمَرَ فِي يَسَارِي ، مَا تَرَكْت هَذَا الْأَمْرَ حَتّى يُظْهِرَهُ اللهُ أَوْ أَهْلَكَ فِي طَلَبِهِ".. فقال له: امض في أمرك ، فوالله لا أسلمك أبداً..


قـال  يا عمِّ لستُ أطمع في
        صَوْلةِ مُلكٍ ولا غوايةِ مالِ

لو أقالوا شمس الضحى بيميني
        وأساروا بدر الدجى في شمالي

لن يروني أطوي رسالة ربي
        فامضِ ياعم واروِ فحوى مقالي

ورد أبو طالب قائلاً :
وَاَللّهِ لَنْ يَصِلُوا إلَيْك بِجَمْعِهِمْ
        حَتّى أُوَسّدَ فِي التّرَابِ دَفِينَا

فَاصْدَعْ بِأَمْرِك مَا عَلَيْك غَضَاضَةٌ  
        وَابْشِرْ وَقَرّ بِذَاكَ مِنْك عُيُونَا

وَدَعَوْتنِي وَعَرَفْت أَنّك نَاصِحِي
        وَلَقَدْ صَدَقْت ، وَكُنْت ثَمّ أَمِينَا

وَعَرَضْت دِينًا قَدْ عَرَفْت بِأَنّهُ
        مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيّةِ دِينَا

لَوْلَا الْمَلَامَةُ أَوْ حِذَارُ مَسَبّةٍ
        لَوَجَدْتنِي سَمْحًا بِذَاكَ مُبِينَا

ثم كانت الهجرة..
واجه النبي و أصحابه من مشركي قريش صراعاً شديداً ، مما جعل النبي يوجه أصحابه لاختيار مكان آمن ، و اختار لهم يثرب (المدينة المنورة) فهاجر بعضهم، وتهيأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبو بكر للهجرة، ، وتآمر المشركون على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخبر جبريل رسول الله بذلك،  و لما جاء الإذن من الله تعالى بالهجرة ، خرج رسول الله و صاحبه الصديق أبو بكر فراراً بدينهم ، قاصدين موطنهم الجديد ، و ملاذهم الآمن ..
وبعد رحلة شاقة وصل رسول الله إلى المدينة المنورة..
وخرجت جموع المسلمين لاستقبال رسول الهدى ، معبرين عن فرحهم وبهجتهم ، ينشدون بصوت واحد نشيد الفرح :


طلع البدر علينا
        من ثنيات الوداع

وجب الشكر علينا
        ما دعـا لله داع

أيها المبعوث فينا
        جئت بالأمر المُطاع

جئت شرفت المدينة
        مرحباً يا خير داع






All right reserved by ALFATIH 2014